كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

الآية: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} (¬1) إِلَى آخَرِ (¬2) الْآيَةِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} يُرِيدُ أَنهم قَصَّرُوا فِيهَا وَلَمْ يَدُومُوا عَلَيْهَا.
قَالَ بَعْضُ نَقْلَةِ التَّفْسِيرِ: وَفِي (¬3) هَذَا التأْويل لُزُومُ الْإِتْمَامِ لِكُلِّ مَنْ بدأَ بِتَطَوُّعٍ وَنَفْلٍ، وأنه يلزمه (¬4) أن يرعاه (¬5) حَقَّ رَعْيِهِ (¬6).
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (¬7): وَقَدْ زَاغَ قوم (¬8) عن منهج الصواب، فظنوا (¬9) أَنَّهَا رَهْبَانِيَّةٌ كُتِبَتْ (¬10) عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَن الْتَزَمُوهَا. قال: وليس يخرج هذا من (¬11) مَضْمُونِ الْكَلَامِ، وَلَا يُعْطِيهِ أُسْلُوبُهُ وَلَا مَعْنَاهُ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَى أَحد شَيْءٌ إِلا بِشَرْعٍ أَو نَذْرٍ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهل الْمِلَلِ، وَاللَّهُ أَعلم (¬12).
وَهَذَا الْقَوْلُ محتاج إِلى النظر والتأَمل إِذا بنينا على (¬13) الْعَمَلَ عَلَى وَفْقِهِ، إِذ أَكثر الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ الأَول، فإِن هَذِهِ الْمِلَّةَ لَا بِدْعَةَ فِيهَا، وَلَا تَحْتَمِلُ الْقَوْلَ بِجَوَازِ الِابْتِدَاعِ بِحَالٍ؛ للقطع بالدليل؛ إِذ كُلَّ (¬14) بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ـ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (¬15) ـ، فَالْأَصْلُ أَن يُتْبَعَ الدَّلِيلُ، وَلَا عَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نُخَلِّي ـ بِحَوْلِ اللَّهِ ـ قَوْلَ أَبي أُمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ نَظَرٍ صَحِيحٍ (¬16) عَلَى وِفْقِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وإِن كَانَ فِيهِ بُعد بِالنِّسْبَةِ إِلى ظَاهِرِ الأَمر، وَذَلِكَ أَنه عَدَّ عَمَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جمع الناس في
¬_________
(¬1) قوله تعالى: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} من (غ) فقط.
(¬2) قوله: "إلى آخر" ليس في (خ).
(¬3) في (غ) و (ر): "في".
(¬4) قوله: "وأنه يلزمه" ليس في (خ).
(¬5) في (غ) و (ر): "يرعه"، وفي (خ): "وأن يرعاه".
(¬6) في (خ): "رعايته".
(¬7) في "أحكام القرآن" (4/ 1745).
(¬8) قوله: "قوم" ليس في (خ) و (م).
(¬9) في (خ): "من يظن".
(¬10) في (غ): "كتب".
(¬11) في (خ): "عن" بدل "من".
(¬12) قوله: "أعلم" ليس في (خ).
(¬13) قوله: "على" ليس في (خ).
(¬14) في (غ): "إن كان". وفي (ر): "إن كل".
(¬15) (ص108) من المجلد الأول، وسيأتي تخريجه أيضاً (ص318).
(¬16) في (غ): "صح". وفي (ر): "يصح".

الصفحة 150