كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وَمِنَ الأَحاديث كَثِيرٌ؛ كمسأَلة الْوِصَالِ.
فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنها قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: "إني لست كهيئتكم، إِني أَبيت عند ربي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" (¬1).
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "لَوْ مُدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يَدَع (¬2) المتعمِّقون تعمُّقَهم" (¬3). وَهَذَا إِنكار.
وَعَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فإِنك يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وأَيكم مِثْلِي؟ إِني أَبيت عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" (¬4). فَلَمَّا أبوا أَن ينتهوا عن الوصال واصل بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رأَوا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تأَخَّر الشَّهْرُ لَزِدْتُكُمْ"؛ كالْمُنَكِّل حِينَ أَبوا أَن يَنْتَهُوا (¬5).
وَمِنْ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ (¬6)، فإِنه تَرَكَهُ مَخَافَةَ (¬7) أَن يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، فَيَعْجِزُوا (¬8) عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي الإِثم وَالْحَرَجِ، فَكَانَ ذلك رِفقاً منه بهم.
قال القاضي ابن الطَّيِّبُ (¬9): يُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَوحى إِليه أَنه
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري (1964)، ومسلم (1105).
(¬2) في (خ): "حتى يدع".
(¬3) أخرجه البخاري (7241)، ومسلم (1104).
(¬4) في (غ) و (ر): "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، وعلق رشيد رضا عليه بقوله: المشهور في تفسيره: يعطيني قوة الطاعم والشارب. اهـ.
(¬5) أخرجه البخاري (1965)، ومسلم (1103)
(¬6) أخرجه البخاري (729 و731)، ومسلم (781 و782) من حديث زيد بن ثابت وعائشة رضي الله عنهما، وفي حديث زيد قال صلّى الله عليه وسلّم: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة: صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة".
(¬7) في (ر) و (غ): "حماية".
(¬8) في (خ): "فيعجزون".
(¬9) في (خ) و (م): "أبو الطيب"، والصواب ما أثبته من (غ) و (ر)، فقد ذكر هذا النقل الباجي في "المنتقى" (1/ 205)، فقال: "قال القاضي أبو بكر .. "، ثم ذكره. وأبو بكر هذا هو ابن الطيب المالكي، وهو غير أبي الطيب الطبري الشافعي المعروف بالمحب، علماً بأن الحافظ ابن حجر قال في "فتح الباري" (3/ 13): "وأجاب=

الصفحة 155