كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِبَادَةٍ واجتهاد، وذُكر عنده آخر بِدَعَةٍ (¬1)، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يُعْدَلُ (¬2) بالدَّعَة" (1).
والدَّعَةُ (1) هنا: المراد بها (¬3): الرِّفْقُ وَالتَّيْسِيرُ. قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ" (¬4).
وَعَنْ أَنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (¬5): جاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلى بُيُوتِ أَزواج النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأَلون عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كأَنهم تقالُّوها، فَقَالُوا: وأَين نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم؟ قد (¬6) غَفَرَ اللَّهُ لَهُ (¬7) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (¬8) وَمَا تأَخر. فَقَالَ أَحدهم: أَما أَنا فإِني أُصلي اللَّيْلَ أَبداً، وَقَالَ الْآخَرُ: إِني أَصوم الدَّهْرَ وَلَا أُفطر، وَقَالَ الْآخَرُ: إِني أَعتزل النساءَ فَلَا أَتزوج أَبداً. فجاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَنتم الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَما وَاللَّهِ إِني لأَخشاكم لِلَّهِ وأَتقاكم لَهُ، لَكِنِّي أَصوم وأُفطر، وأُصلي وأَرقد، وأَتزوج النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سنَّتي فَلَيْسَ مِنِّي" (¬9).
والأَحاديث فِي هَذَا (¬10) الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وهي بجملتها تدلّ على الأَخذ في الأعمال بالتسهيل (¬11) وَالتَّيْسِيرِ، وإِنما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ عَدَمِ الِالْتِزَامِ، وإِن تُصُوِّر مَعَ الِالْتِزَامِ فَعَلَى جِهَةِ مَا لَا يَشُقُّ الدَّوَامُ فِيهِ حسبما نفسِّره (¬12) الآن.
¬_________
(¬1) كذا جاء عند المصنف، والذي في الترمذي: "بِرِعَةٍ"، و"الرِّعَة": المصدر من الورع كما في "النهاية" (5/ 174)، و"لسان العرب" (8/ 388).
(¬2) في (غ) و (ر): "لا نعدل".
(¬3) في (خ): "والدعة المراد بها هنا".
(¬4) هذا جاء في بعض نسخ الترمذي، ويظهر أن النسخ التي حذف منها قوله: "حسن" أجود كما تجد ذلك محكيًّا عن التّرمذي عند المزي في "تحفة الأشراف" (2/ 375)، و"تهذيب الكمال" (25/ 645).
(¬5) قوله: "قال" ليس في (غ) و (ر).
(¬6) في (خ): "وقد".
(¬7) في (غ): "غفر له".
(¬8) في (ر): "من ذنبه ما تقدم"، ووضع عليهما الناسخ علامتي التقديم والتأخير.
(¬9) تقدم تخريجه ص (147).
(¬10) قوله: "هذا" ليس في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: أي: في هذا المعنى، أو: في المعنى الذي نتكلم فيه. ويوشك أن يكون سقط من النسخ لفظ "هذا".اهـ.
(¬11) في (خ) و (م): "الأخذ في التسهيل".
(¬12) في (ر) و (غ): "نفسر".

الصفحة 159