كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
شيئاً، بل من قدر الله له المرض أو الصحة (¬1)، أَوِ الْغِنَى أَوِ الْفَقْرَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فالنذر لا يوضع (¬2) سبباً لغير ذلك (¬3)؛ كَمَا وُضِعَت صِلَةُ الرَّحِمِ سَبَبًا فِي الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ مَثَلًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ (¬4) الْعُلَمَاءُ، بَلِ النَّذْرُ وَعَدَمُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ (¬5) يَسْتخرج بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ؛ بِشَرْعِيَّة الْوَفَاءِ بِهِ (¬6)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ} (¬7)، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ" (¬8)، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العلماءِ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (¬9).
وَوَجْهُ النَّهْيِ: أَنه مِنْ بَابِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي تقدَّم الاستشهاد على كراهيته.
وأَما (¬10) عَلَى جِهَةِ الِالْتِزَامِ غَيْرِ النَّذْرِيِّ (¬11)؛ فكأَنه نَوْعٌ مِنَ الْوَعْدِ، والوفاءُ بِالْعَهْدِ (¬12) مَطْلُوبٌ، فكأَنه أَوجب عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ أَيضاً، وَعَلَيْهِ يأْتي مَا تقدم في (¬13) حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَتوا يسأَلون عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِقَوْلِهِمْ (¬14): أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ... إِلَخْ، وَقَالَ أَحدهم (¬15): أَما أَنا (¬16) فأَفعل كَذَا ... إلى آخره (¬17).
وَنَحْوُهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخبر أَن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ولأَصومنّ النَّهَارَ مَا عِشْت (¬18).
¬_________
(¬1) في (خ): "الصحة أو المرض".
(¬2) في (خ): "لم يوضع".
(¬3) في (خ): "لذلك" بدل "لغير ذلك".
(¬4) في (غ) و (ر): "فسره" وفي (م): "ذكر".
(¬5) في (ر) و (غ): "ولكن أنه".
(¬6) قوله: "به" ليس في (ر) و (غ).
(¬7) سورة النحل: الآية (91).
(¬8) أخرجه البخاري (6696 و6700).
(¬9) انظر "فتح الباري" (11/ 575).
(¬10) هذا هو الوجه الثاني.
(¬11) في (غ) و (ر): "النذر".
(¬12) في (ر): "بالوعد".
(¬13) في (خ): "من".
(¬14) في (خ): "وقولهم".
(¬15) من قوله: "أين نحن" إلى هنا سقط من (غ) و (م) و (ر).
(¬16) في (م): "أما نحن".
(¬17) تقدم تخريجه (ص147)، وانظر (ص159).
(¬18) تقدم تخريج حديث عبد الله بن عمرو (ص157).
الصفحة 161