كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَحب الْعَمَلِ إِلى اللَّهِ مَا دَاوَمَ (¬1) عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وإِن قَلّ (¬2) ". فَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا عَمِلَ عَمَلًا أَثبته (¬3)، حَتَّى قَضَى رَكْعَتَيْ (¬4) ما بعد الظهر (¬5) بعد العصر (¬6).
هذا وإِن (¬7) كَانَ الْعَامِلُ لَا يَنْوِي الدَّوَامَ فِيهِ، فَكَيْفَ به (¬8) إِذا عَقَدَ فِي نِيَّتِهِ أَن لَا يَتْرُكَهُ؟ فَهُوَ أَحرى بِطَلَبِ الدَّوَامِ، فَلِذَلِكَ (¬9) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (¬10): "يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ الليل"، وهو حديث صحيح (¬11). فنهاه صلّى الله عليه وسلّم أَن يَكُونَ مِثْلَ فُلَانٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كراهيته للترك (¬12) مِنْ ذَلِكَ الْفُلَانِ (¬13) وَغَيْرِهِ.
فَالْحَاصِلُ: أَن هَذَا الْقِسْمَ الَّذِي هُوَ مَظِنَّة للمشقَّة عِنْدَ الدَّوَامِ: مطلوب الترك لعلّة أَكثرية يُفْهَمُ (¬14) عند تقريرها (¬15) أَنها إِذا فُقِدَتْ زَالَ طَلَبُ التَّرْكِ، وإِذا ارْتَفَعَ طَلَبُ التَّرْكِ رَجَعَ إِلى أَصل الْعَمَلِ؛ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ.
فَالدَّاخِلُ فِيهِ عَلَى الْتِزَامِ شَرْطِهَ دَاخِلٌ فِي مَكْرُوهٍ ابْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ؛ لِإِمْكَانِ عدم الوفاءِ بالشرط، وفي مندوبٍ (¬16) إِليه حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الْوَفَاءِ.
فَمِنْ حَيْثُ النَّدْبُ أَمره الشَّارِعُ بِالْوَفَاءِ؛ وَمِنْ حَيْثُ الْكَرَاهِيَةُ كَرِهَ لَهُ أَن يَدْخُلَ فِيهِ.
¬_________
(¬1) في (خ) و (م): "ما دام".
(¬2) أخرجه البخاري (1970)، ومسلم (782).
(¬3) كما في "صحيح مسلم" (746/ 141) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(¬4) في (غ) و (ر) و (خ): "ركعتين".
(¬5) في (خ): "مابين الظهر والعصر" بدل "ما بعد الظهر".
(¬6) أخرجه البخاري (1233 و4370).
(¬7) في (خ): "إن".
(¬8) قوله: "به" ليس في (خ) و (م).
(¬9) في (غ) و (ر): "ولذلك".
(¬10) في (خ) و (م): ""لعبد الله بن عمر".
(¬11) متفق عليه، وتقدم تخريجه (ص162).
(¬12) في (خ): "كراهة الترك".
(¬13) في (خ): "لفلان".
(¬14) في (خ): "تفهم"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في نسختنا! ولعل الأصل: لعلّة كثرته، ففهم. اهـ.
(¬15) في (خ) و (م): "تقريره".
(¬16) في (خ): "المندوب".
الصفحة 175