كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

من حقوق الله (¬1) فَلَا يَنْهَضُ مَا قُلْتُمْ؛ إِذ لَيْسَ للمكلَّف خِيَرَةٌ فِيهِ. فَكَمَا أَنه مُتعبَّد بِالرِّفْقِ بِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ هُوَ مكلَّفٌ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، وَدَلَّ عَلَى ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم (¬2): "إِن لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ... " (¬3)، إِلى آخَرِ الْحَدِيثِ. فَقَرَنَ حَقَّ النَّفْسِ بِحَقِّ الْغَيْرِ فِي الطَّلَبِ فِي (¬4) قَوْلِهِ: "فأَعط كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ.
وَلَا يُطلق هَذَا اللَّفْظُ إِلا عَلَى مَا كَانَ لَازِمًا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنه لَا يَحِلُّ للإِنسان أَن يُبِيحَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ دَمَهُ، وَلَا قَطْعَ طرفٍ مِنْ أَطرافه، وَلَا إِيلامه بشيءٍ مِنَ الْآلَامِ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وإِن قُلْنَا: إِنه مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ وَرَاجِعٌ إِلى خِيَرَتِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الإِطلاق؛ إِذ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الأُصول أَن حُقُوقَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ حَقِّ اللَّهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ـ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ـ: أَنه لَوْ كَانَ إِلى خِيَرَتِنَا بإِطلاق لَمْ يَقَعِ النَّهْيُ فِيهِ عَلَيْنَا، بَلْ كُنَّا نُخَيَّر فيه ابتداءً، وإلى ذلك؛ فإِنه لو كان لخِيرَةِ (¬5) المُكَلَّفِ مَحْضاً؛ لجاز للناذر لِعِبَادةٍ (¬6) أَن يَتْرُكَهَا مَتَى شاءَ وَيَفْعَلَهَا مَتَى شاءَ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الأَئمة عَلَى وُجُوبِ الوفاءِ بِالنَّذْرِ، فيجري ما أَشبهه (¬7) مَجْرَاهُ. وأَيضاً فَقَدْ فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنه حبَّب إِلينا الإِيمان وزيَّنه فِي قُلُوبِنَا، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّزْيِينِ: تَشْرِيعُهُ عَلَى وجهٍ يُستحسن الدُّخُولُ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَعَ شَرْعِيَّةِ الْمَشَقَّاتِ. وإِذا كَانَ الإِيغال فِي الأَعمال مِنْ شأْنه فِي الْعَادَةِ أَن يُورثَ الكَلَلَ (¬8) وَالْكَرَاهِيَةَ وَالِانْقِطَاعَ ـ الذي هو كالضِّدّ لتحبيب الإِيمان
¬_________
(¬1) قوله: "فإن قلنا: إنه من حقوق الله" سقط من (خ) و (م).
(¬2) تقدم تخريجه (ص157).
(¬3) قوله: "حقاً" ليس في (م).
(¬4) في (غ) و (ر): "الذي هو" بدل "في".
(¬5) في (خ): "بخيرة".
(¬6) في (خ): "العبادة".
(¬7) في (خ): "ما أشبه".
(¬8) في (غ) و (ر): "الكلال".

الصفحة 194