كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فصل
قال الله تبارك (¬1) وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ *} (¬2). رُوِيَ (¬3) فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَخبار (¬4) جُمْلَتُهَا تَدُورُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَحْرِيمُ مَا أَحل اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ تديُّناً، أَو شبه التديُّن، وأَن (¬5) الله (¬6) نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ اعْتِدَاءً، وَاللَّهُ لَا يحب المعتدين. ثم قرّر الإباحة تقريراً زائداً عَلَى مَا تَقَرَّرَ بِقَوْلِهِ (¬7): {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا}، ثُمَّ أَمرهم بِالتَّقْوَى، وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بأَن تَحْرِيمَ مَا أَحل اللَّهُ خَارِجٌ عَنْ دَرَجَةِ التَّقْوَى.
فخرَّج إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ حَدِيثِ أَبي قِلَابَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَراد نَاسٌ مِنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يَرْفُضُوا الدُّنْيَا، ويتركوا (¬8) النساءَ، ويترهَّبوا (¬9)، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغلَّظ فِيهِمُ الْمَقَالَةَ، فَقَالَ: "إِنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ؛ شدَّدوا عَلَى أَنفسهم، فشدَّد اللَّهُ عَلَيْهِمْ (¬10)، فأُولئك بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحُجّوا، واعتمروا، واستقيموا يُسْتَقَمْ (¬11) بكم" (¬12). قال: ونزلت فيهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
¬_________
(¬1) قوله: "تبارك" من (ر) فقط.
(¬2) سورة المائدة: الآيتان (87، 88).
(¬3) قوله: "روي" في موضعه بياض في (غ).
(¬4) سيذكرها المصنف فيما يلي.
(¬5) قوله: "وأن" ليس في (خ) و (م).
(¬6) في (خ) و (م): "والله".
(¬7) في (غ) و (ر): "لقوله".
(¬8) في (خ) و (م): "وتركوا".
(¬9) في (خ) و (م): "وترهبوا".
(¬10) في (ر) و (غ): "فشدد عليهم".
(¬11) في (خ) و (م): "يستقيم".
(¬12) قوله: "بكم" سقط من (غ) و (ر).
الصفحة 206