كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وَلْيَشْرَبْ إِن كَانَ مَشْرُوبًا، وَلْيَلْبَسْ إِن كَانَ مَلْبُوسًا، وَلْيَمْلِكْ إِن كَانَ مَمْلُوكًا. وكأَنه إِجماع مِنْهُمْ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وأَبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجَةِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَن التحريم طلاق كطلاق الثَّلَاثِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ (¬1) بَاطِلٌ (¬2)؛ لأَن الْقُرْآنَ شَهِدَ بِكَوْنِهِ اعْتِدَاءً، حَتَّى إِنه إِن حرم على نفسه وَطْءَ أَمته غير قاصد (¬3) بِهِ الْعِتْقَ، فَوَطْؤُهَا حَلَالٌ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَشياء: من اللباس والمسكن (¬4) والكلام (¬5) وَالصَّمْتِ وَالِاسْتِظْلَالِ والاسْتِضْحَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ (¬6) الْحَدِيثُ فِي النَّاذِرِ لِلصَّوْمِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ سَاكِتًا، فإِنه تَحْرِيمٌ لِلْجُلُوسِ، وَالِاسْتِظْلَالِ، وَالْكَلَامِ (¬7)، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمره بِالْجُلُوسِ وَالتَّكَلُّمِ وَالِاسْتِظْلَالِ. قَالَ مَالِكٌ (¬8): أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ (¬9) فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه مَعْصِيَةٌ.
فتأَملوا كَيْفَ جَعَلَ مَالِكٌ تَرْكَ الْحَلَالِ مَعْصِيَةً! وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَعْتَدُوا} الْآيَةَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ (¬10) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الضَّرْع: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
وَقَدْ ضعَّف ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ (¬11) الِاسْتِدْلَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْحَدِيثِ، وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ لَهُ، وَذَكَرَ أَن قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ: "وَيَتْرُكْ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ" لَيْسَ بِالظَّاهِرِ أَن تَرْكَ الْكَلَامِ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ أَخبر اللَّهُ تَعَالَى أَنه نَذْر مَرْيَمَ (¬12). قَالَ: وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَن يَكُونَ الْقِيَامُ [في الشمس] (¬13) ليس
¬_________
(¬1) قوله: "فهو" ليس في (غ) و (ر).
(¬2) في (ر) و (غ): "فباطل".
(¬3) في (خ): "وطء أمة غيره قاصداً" وفي (م): "وطء أمة غيره قاصد".
(¬4) قوله: "والمسكن" ليس في (غ).
(¬5) قوله: "والكلام" ليس في (خ).
(¬6) تقدم تخريجه (ص176).
(¬7) في (خ): "والكلام والاستظلال".
(¬8) في "الموطأ" (2/ 476) بنحو ما هنا.
(¬9) في (خ) و (م): "أمره ليتم ما كان له".
(¬10) المتقدم في الصفحة السابقة.
(¬11) في "بداية المجتهد" (1/ 310).
(¬12) في قوله تعالى في سورة مريم (26): {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}.
(¬13) في جميع النسخ: "للشمس"، والمثبت من "بداية المجتهد".

الصفحة 215