كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

فَصْلٌ
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مَسَائِلُ
إِحْدَاهَا (¬1): أَن تحريم الحلال وما أَشبه ذلك يُتَصَوَّر على (¬2) أَوجه:
الأَول: التَّحْرِيمُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْكُفَّارِ، كالبَحِيْرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوَصِيْلَةِ، والحَامِي، وَجَمِيعِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تحريمَه عَنِ الْكَفَّارِ بالرأْي المَحْض. ومنه قول الله تبارك وتعالى (¬3): {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} (¬4)، وَمَا أَشبهه مِنَ التَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ فِي الإِسلام رأْياً مجرَّداً.
والثاني (¬5): أَن يَكُونَ مجرَّدَ تركٍ لَا لِغَرَضٍ؛ بَلْ لأَن النفس تكرهه بطبعها، أَو لا تتذكَّره (¬6) حَتَّى تَسْتَعْمِلَهُ، أَو لَا تَجِدُ ثَمَنَهُ، أَو تشتغل بما هو آكد منه (¬7)، أَو ما (¬8) أَشبه ذَلِكَ. وَمِنْهُ تَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَكل الضَّبّ لِقَوْلِهِ فِيهِ: "إِنه لَمْ يَكُنْ بأَرض قَوْمِي، فأَجدني أَعافه" (¬9)، وَلَا يُسَمّى مِثْلُ هَذَا تَحْرِيمًا؛ لأَن التَّحْرِيمَ يَسْتَلْزِمُ القصد إِليه، وهذا ليس كذلك.
والثالث (¬10): أَن يَمْتَنِعَ لنَذْرهِ التحريمَ، أَو مَا يَجْرِي مجرى النذر من
¬_________
(¬1) في (خ): "أحدهما"، وفي (م): "أحدها".
(¬2) في (خ): "في" بدل "على".
(¬3) في (خ): "ومنه قوله تعالى"، وفي (م): "ومنه قول الله تعالى".
(¬4) سورة النحل: الآية (116).
(¬5) في (خ) و (م): "الثاني".
(¬6) في (خ): "تكرهه".
(¬7) قوله: "منه" ليس في (خ) و (م).
(¬8) في (خ): "وما".
(¬9) أخرجه البخاري (5391 و5537)، ومسلم (1945 و1946).
(¬10) في (خ) و (م): "الثالث".

الصفحة 217