كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وقد ردَّ رسول الله (ص) (¬1) التبُّتل (¬2) حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (¬3).
وإِن كَانَتْ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ حَسْبَمَا شَرَع، وَعَلَى (¬4) حدِّ مَا انْقَطَعَ إِلَيْهِ (¬5) رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ المُخَاطَب بِقَوْلِهِ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (¬6)، فهذا هو الذي نحن في تقريره: أنه (¬7) السُّنَّة المُتَّبَعَةُ، والهَدْيُ الصَّالِحُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ زَيْدِ بْنِ أَسلم وَغَيْرِهِ فِي معنى التبتُّل ما يُنَافِرُ (¬8) هَذَا الْمَعْنَى؛ لأَن رَفْض الدُّنْيَا لَيْسَ بِمَعْنَى طَرْح اتِّخَاذِهَا جُمْلَةً، وَتَرْكِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، بَلْ بِمَعْنَى تَرْكِ الشُّغل بِهَا عَمَّا كُلِّف الإِنسان بِهِ مِنَ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَاجْعَلْ سِيَرَ السَّلَفِ الصالح فيها (¬9) مِرْآةً لَكَ تَنْظُرُ فِيهَا مَعْنَى التبتُّل عَلَى وجهه (¬10)؛ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَقَدْ كَانُوا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مُكْتَسِبِينَ لِلْمَالِ، متمتِّعين (¬11) بِهِ فِيمَا أُبيح لَهُمْ، مُنْفِقِين لَهُ حَيْثُ نُدبوا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقُلُوبِهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ، إِذا عَنَّ لَهُمْ أَمر أَو نَهْي، بَلْ قَدَّموا أَمر اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمُ الْعَاجِلَةِ (¬12) عَلَى وجهٍ لَمْ يُخِلَّ بِحُظُوظِهِمْ فِيهِ، وَهُوَ التوسُّط الذي تقدم تقريره (¬13).
ثُمَّ نَدَبَهُمُ الشَّارِعُ إِلى اتِّخَاذِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، فَبَادَرُوا إِلى الِامْتِثَالِ، وَلَمْ يَقُولُوا: هُوَ شَاغِلٌ لَنَا عَمَّا أُمرنا بِهِ؛ لأَن هَذَا الْقَوْلَ مُشْعِرٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ، فإِن الأَصل الشَّرْعِيَّ: أَن كلَّ مَطْلُوبٍ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتعبَّد بِهِ إِلى اللَّهِ تَعَالَى، ويُتقرب بِهِ إِلَيْهِ. فَالْعِبَادَاتُ (¬14) المَحْضَة ظاهرٌ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْعَادَاتُ (¬15) كلُّها إِذا قُصد بِهَا امْتِثَالُ أمر الله عبادات؛ إِلا أنه إِذا
¬_________
(¬1) قوله: "رسول الله" ليس في (خ).
(¬2) في (ر) و (غ): "المتبتل".
(¬3) انظر صفحة (206 ـ 208).
(¬4) في (غ) و (ر): "على".
(¬5) في (م): "ما انقطع إلى الله".
(¬6) سورة المزمل: الآية (8).
(¬7) في (خ) و (م): "وأنه".
(¬8) في (خ) و (م): "ما يناقض".
(¬9) قوله: "فيها" ليس في (خ) و (م).
(¬10) في (خ): "على وجه".
(¬11) قوله: "متمتعين" سقط من (خ) و (م).
(¬12) في (خ): "الفاصلة".
(¬13) في (خ) و (م): "ذكره" بدل "تقريره".
(¬14) في (ر) و (غ): "بالعبادات".
(¬15) في (غ) و (ر) و (خ): "والعبادات".

الصفحة 231