كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ (¬1): وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنس وَغَيْرُهُ مِنَ علماءِ الْمَدِينَةِ يَكْرَهُونَ إِتيان تِلْكَ الْمَسَاجِدِ، وَتِلْكَ الْآثَارِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، ما عدا قُباءَ وحده (¬2).
قال: وَسَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ أَن سُفْيَانَ (¬3) دَخَلَ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى فِيهِ، وَلَمْ يَتَّبِعْ تِلْكَ الْآثَارَ، وَلَا الصَّلَاةَ (¬4) فِيهَا. وَكَذَلِكَ فَعَلَ غَيْرُهُ أَيضاً مِمَّنْ يُقتدى بِهِ.
وَقَدِمَ وَكِيعٌ أَيضاً مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمْ يعدُ فعلَ سُفْيَانَ.
قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ (¬5): فَعَلَيْكُمْ بِالِاتِّبَاعِ لأَئمة الْهُدَى الْمَعْرُوفِينَ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ مَضَى: كَمْ مِنْ أَمر هُوَ الْيَوْمَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَ مَنْ مَضَى؟
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ كُلَّ بِدْعَةٍ وإِن كَانَتْ فِي خَيْرٍ (¬6).
وَجَمِيعُ هَذَا ذَرِيعَةٌ لِئَلَّا يُتّخذ سُنَّةً مَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ، أَو يُعَدّ مَشْرُوعًا ما ليس بمشروع (¬7).
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْمَجِيءَ إِلى بَيْتِ المَقْدِس خِيفَةَ أَن يُتَّخذ ذَلِكَ سُنَّةً، وَكَانَ يَكْرَهُ مجيءَ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ (¬8)، وَيَكْرَهُ مجيءَ قُباءَ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، مَعَ مَا جاءَ فِي الآثار من الترغيب فيه (¬9).
¬_________
=صحيح عن نافع ... "، فذكره.
وقد أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (5/ 2876) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة؛ ثنا ابن عون؛ قال: بلغ عمر ... ، فذكره هكذا بإسقاط نافع من الإسناد، وهذا أشد انقطاعاً، لكن رواية ابن أبي شيبة وابن سعد أرجح، لاتفاق ثقتين على روايته عن ابن عون، عن نافع.
(¬1) في "البدع والنهي عنها" صفحة (88).
(¬2) وقع في المطبوع من "البدع والنهي عنها": "وأحداً".
(¬3) أي: الثوري.
(¬4) في (ر): "إلا الصلاة"، ويشبه أن تكون هكذا في (غ).
(¬5) في "البدع والنهي عنها" صفحة (89).
(¬6) المصدر السابق صفحة (91).
(¬7) في (خ) و (م): "ما ليس معروفاً".
(¬8) أي: لمن كان بالمدينة من غير شدّ رحل إليها؛ لأن شدّ الرحال للقبور محرّم.
(¬9) انظر "البدع والنهي عنها" صفحة (91).