كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
ثُمَّ عَدَّ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي (¬1) مُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ: أَنه يرميهم بالتجهيل أو التضليل (¬2)، وهذه (¬3) دعوى على (¬4) مَنْ خَالَفَهُ فِيمَا قَالَ، وَعَلَى تَسْلِيمِهَا، فَلَيْسَتْ بمَفْسَدة عَلَى فَرْضِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَقَدْ جاءَ عَنِ السَّلَفِ الْحَضُّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَقِّ، وَعَدَمِ (¬5) الاسْتِيحَاشِ مِنْ قِلَّةِ أَهله (¬6).
وأَيضاً فَمَنْ شَنَّع عَلَى الْمُبْتَدَعِ بِلَفْظِ الِابْتِدَاعِ، فأَطلق الْعِبَارَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلى الْمُجْتَمَعِينَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ للدعاءِ (¬7) فِي غَيْرِ عَرَفَةَ ... ، إِلى نَظَائِرِهَا، فتَشْنِيعُهُ حَقّ كما نقوله (¬8) بِالنِّسْبَةِ إِلى بِشْرٍ المِرِّيسي ومَعْبدٍ الجُهَني وَفُلَانٍ وفلان، ولا نَدْخُلُ (¬9) بِذَلِكَ ـ إِن شاءَ اللَّهُ ـ فِي حَدِيثِ: "مَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم" (¬10)؛ لأَن الْمُرَادَ أَن يَقُولَ ذَلِكَ ترفُّعاً عَلَى النَّاسِ وَاسْتِحْقَارًا، وأَما إِن قاله تَحَزُّناً وتحسُّراً عليهم (¬11) فلا بأْس.
قال بعضهم: ونحن نرجو أَن نُؤْجَرَ (¬12) عَلَى ذَلِكَ إِن شاءَ اللَّهُ.
فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ ليس على وجهه (¬13).
¬_________
(¬1) قوله: "في" سقط من (غ) و (ر).
(¬2) في (خ) و (م): "والتضليل".
(¬3) في (خ) و (م): "وهذا".
(¬4) قوله: "على" ليس في (خ) و (م).
(¬5) في (ر) و (غ): "وعن".
(¬6) أخرج البيهقي في "الزهد" (238) من طريق أبي حاتم الرازي؛ ثنا أبو عبد الله النَّجَّار ـ ثقة ـ؛ قال: قال سفيان بن عينية: الْزَم الحق، ولا تستوحش لقلة أهله.
وأخرج أيضاً برقم (239) من طريق الحسن بن عمرو؛ قال: سمعت بشراً يقول: قال سفيان: اسلك طريق الحق، ولا تستوحش منه وإن كان أهله قليلاً.
وأخرجه أيضاً برقم (240) عن الحسين بن زياد قال: إنما رضيت بكلمة سمعتها من الفضيل بن عياض؛ قال الفضيل: لا تستوحش طريق الهدى لقلّة أهله، ولا تغترّ بكثرة الناس.
وأخرج الخطيب البغدادي في "تاريخه" (9/ 377) من طريق أحمد بن بشر بن سليمان الشيباني قال: كتب رجل إلى رجل: أما بعد: فليكن أوّل عملك الهداية بالطريق، ولا تستوحش لقلّة أهله، فإن إبراهيم كان أمة قانتاً لله، لا للملوك، فلا تستوحش مع الله، ولا تستأنس بغير الله.
(¬7) انظر التفصيل فيه فيما يأتي (ص278)، وانظر (ص316 و355).
(¬8) في (خ) و (م): "يقوله".
(¬9) في (خ) و (م): "ولا يدخل".
(¬10) أخرجه مسلم (2623).
(¬11) قوله: "عليهم" ليس في (خ) و (م).
(¬12) في (خ): "نعرج".
(¬13) في (غ) و (ر): "وجه".