كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فِيهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ إِذاً إِجماع مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الأَشياء كُلِّهَا.
وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي وَجْهِ تَرْكِ مَا تركوا منه، وهو يحتمل (¬1) وَجْهَيْنِ:
أَحدهما: أَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ (¬2) الِاخْتِصَاصَ، وَأَنَّ مَرْتَبَةَ (¬3) النُّبُوَّةِ يَسَعُ فِيهَا ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِلْقَطْعِ بِوُجُودِ مَا الْتَمَسُوا (¬4) مِنَ الْبَرْكَةِ وَالْخَيْرِ؛ لأَنه صلّى الله عليه وسلّم كَانَ نُورًا كلُّه فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ (¬5)، فَمَنِ الْتَمَسَ مِنْهُ نُورًا وَجَدَهُ عَلَى أَي جِهَةٍ الْتَمَسَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الأُمة، فإِنه (¬6) وإِن حَصَلَ لَهُ مِنْ نُورِ الاقتداءِ بِهِ والاهتداءِ بِهَدْيِهِ مَا شاءَ اللَّهُ؛ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَهُ على حال، ولا يوازيه (¬7) فِي مَرْتَبَتِهِ، وَلَا يُقَارِبُهُ (¬8)، فَصَارَ هَذَا النَّوْعُ مُخْتَصًّا بِهِ كَاخْتِصَاصِهِ بِنِكَاحِ مَا زَادَ عَلَى الأَربع (¬9)، وإِحْلالِ بُضْع الواهِبَةِ نفسَها لَهُ (¬10)، وَعَدَمِ
¬_________
(¬1) في (خ): "ما تركوا منه ويحتمل".
(¬2) في (ر) و (غ): "فيها".
(¬3) في (خ) و (م): "مرتبته".
(¬4) في (ر) و (غ): "ما التمسوه".
(¬5) لقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15].
قال ابن جرير في "تفسيره" (10/ 143): "يعني بالنور محمداً صلّى الله عليه وسلّم، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به ... " إلخ.
(¬6) قوله: "فإنه" سقط من (خ) و (ت).
(¬7) في (خ) و (ت): "حال توازيه"، وفي (م): "حال وتوازيه".
(¬8) في (خ) و (ت): "ولا تقاربه".
(¬9) أخرجه أحمد (2/ 44)، والترمذي (1128)، وابن ماجه (1953)، وابن حبان (4156 و4157 و4158)، وغيرهم من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: "اختر منهن أربعاً".
وهذا سند ظاهره الصحة، لكنه معلول من قبل كثير من الأئمة، وصوابه: أنه عن الزهري مرسلاً كما تجد تفصيل ذلك في "إرواء الغليل" (1883)، وحاشية "المسند" بتحقيق الأرناؤوط (8/ 221 ـ 224).
ولكن الحديث جرى عليه عمل أهل العلم كما حكاه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، ولذا صححه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله بهذا الاعتبار، وبماله من شواهد، والله أعلم.
(¬10) حديث الواهبة نفسها أخرجه البخاري (2310)، ومسلم (1425)، كلاهما من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت لك من نفسي ... ، الحديث.