كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
ثُمَّ أَمر بالإِقامة بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ ليُؤْذِنَ الناسَ (¬1) بِفَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ (¬2) وَدُخُولِهِ فِي الصلاة لبعدهم عنه. قال: وذلك حين كثُر الناس فكان يخفى عليهم مجيء إمامهم وفراغه مِنَ الْخُطْبَةِ وَدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ (¬3). قَالَ: وَلَمْ يَرِدْ مَرْوَانُ وَهِشَامٌ إِلَّا الِاجْتِهَادَ (¬4) فِيمَا رأَيا (¬5)، إِلا أَنه لَا يَجُوزُ اجْتِهَادٌ فِي خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ابْنُ الماجِشُون: أَنه سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: مِنْ أَحدث فِي هَذِهِ الأُمة شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا، فَقَدْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لأَن اللَّهَ يَقُولُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (¬6)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا (¬7).
وَقَدْ رُوِيَ أَن الَّذِي أَحدث الأَذان معاوية (¬8) رضي الله عنه، وَقِيلَ: زِيَادٌ، وأَن ابْنَ الزُّبَيْرِ فَعَلَهُ آخِرَ إِمارته (¬9)، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِ هَذَا النَّقْلِ.
وَلِقَائِلٍ أَن يَقُولَ: إِن الأَذان هَنَا نَظِيرُ أَذان الزَّوْراء لعثمان
¬_________
(¬1) في (غ) "ليؤذن الناس فيه".
(¬2) من قوله: "ليؤذن الناس" إلى هنا سقط من أصل (ر)، واستدرك في الهامش، ولم يتضح بأكمله في المصورة.
(¬3) من قوله: "قال وذلك حين كثر الناس" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).
(¬4) المثبت من (غ) و (ر) و (ت)، وفي (خ) و (م): "ولم يرد مروان وهشام الاجتهاد"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: "لعل الأصل: إلا الاجتهاد".اهـ.
(¬5) في (ر) و (غ): "رأياه".
(¬6) سورة المائدة: الآية (3).
(¬7) أخرجه ابن حزم في "إحكام الأحكام" (6/ 225) من طريق عبد الملك بن حبيب، به.
(¬8) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5664)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح" (2/ 453).
(¬9) أخرج البخاري في "صحيحه" (959) من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج؛ قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له: إنه لم يكن يؤذّن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5662) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، عن عطاء: أن ابن الزبير سأل ابن عباس، ـ قال: وكان الذي بينهما حسن ـ فقال: لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء الذي بينهما أذّن وأقام.