كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
وَقَدْ تبيَّن هَذَا الْمَعْنَى بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن؛ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى إِبراهيم فَقَالَ: يَا أَبا عِمْرَانَ! ادْعُ اللَّهَ أَن يَشْفِيَنِي. فِكْرَهَ ذَلِكَ إِبراهيم وقَطَّبَ (¬1)، وَقَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَن يَغْفِرَ لِي. فَقَالَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ! فتنحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ قَالَ: فأَدخلك اللَّهُ مُدْخَلَ حُذَيْفَةَ، أَقد رَضِيتَ الْآنَ؟ يأْتي أَحدكم الرَّجُلَ كأَنه قد أَحْصَى شأْنه، كأنه (¬2). ثُمَّ ذَكَرَ إِبراهيم السُّنَّة، فرغَّب فِيهَا، وَذَكَرَ مَا أَحدث النَّاسُ؛ فَكَرِهَهُ (¬3).
وَرَوَى مَنْصُورٌ، عَنْ إِبراهيم قَالَ: كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فَيَتَذَاكَرُونَ فَلَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اسْتَغْفِرْ لَنَا (¬4).
فتأَملوا يَا أُولي الأَلباب ماذا كَرِهَ (¬5) العلماءُ مِنْ هَذِهِ الضَّمَائِم (¬6) المُنْضَمَّة إِلى الدعاءِ، حَتَّى كَرِهُوا الدعاءَ إِذا انْضَمَّ إِليه مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمة. فَقِسْ بِعَقْلِكَ (¬7) مَاذَا كانوا يقولون في دعائنا اليوم بآثار الصلوات (¬8)، بَلْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُوَاطِنِ، وَانْظُرُوا إِلى إشارة (¬9) إِبراهيم بترغيبه (¬10) فِي السُّنَّةِ وَكَرَاهِيَةِ (¬11) مَا أَحدث النَّاسُ؛ بَعْدَ تَقْرِيرِ مَا تَقَدَّمَ.
وَهَذِهِ الْآثَارُ مِنْ تَخْرِيجِ الطبري في "تهذيب (¬12) الآثار" (¬13) له.
¬_________
(¬1) في (غ): "ونطق". ومعنى "قَطَّبَ": أي زَوَى ما بين عينيه، وعَبَس من الغضب. "لسان العرب" (1/ 680).
(¬2) قوله: "كأنه" سقط من (خ) و (ت)، وهو مكرر في (ر).
(¬3) أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (6/ 276) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن عبد الله بن عون، به.
وإسناده صحيح.
وإبراهيم هذا هو: النخعي.
(¬4) لم أقف عليه، والمصنف أخذه عن "تهذيب الآثار" للطبري كما سيأتي.
(¬5) في (ت) و (خ) و (م)؛ "ما ذكره".
(¬6) في (خ): "الاضام"، وفي (ت): "العظائم".
(¬7) في (غ) و (ر): "بفضلك".
(¬8) في (خ) و (ت) و (م): "الصلاة".
(¬9) في (خ) و (م): "استبارة".
(¬10) في (خ): "ترغيبه".
(¬11) في (خ): "وكراهيته".
(¬12) في (م): "تهديث".
(¬13) في القسم المفقود منه فيما يظهر.
الصفحة 333