كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فصل
وَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي الْعَقْلِ: أَن الشَّرِيعَةَ بَيَّنَتْ أَن حُكْمَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ لَا يَكُونُ إِلا بِمَا شَرَعَ فِي دِينِهِ عَلَى أَلسنة أَنبيائه وَرُسُلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (¬1)، وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (¬2) إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} (¬3) وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} (¬4)، وأَشباه ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ والأَحاديث.
فخرجتْ عَنْ هَذَا الأَصل فرقةٌ زَعَمَتْ أَن الْعَقْلَ لَهُ مَجَالٌ فِي التَّشْرِيعِ، وأَنه مُحَسِّنٌ ومُقَبِّحٌ، فَابْتَدَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: أَن الْخَمْرَ لَمَّا حُرِّمت، وَنَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شأْن مَنْ مَاتَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وهو يشربها (¬5) قولُه تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا} (¬6) الْآيَةَ؛ تأَوّلها قَوْمٌ ـ فِيمَا ذُكِر ـ عَلَى أَن الْخَمْرَ حَلَالٌ، وأَنها دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: {فِيمَا طَعِمُوا} (¬7).
فَذَكَرَ إِسماعيل بْنُ إِسحاق، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (¬8) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: شَرِبَ نفرٌ مِنْ أَهل الشَّامِ الخمرَ وَعَلَيْهِمْ يزيد بن أَبي سفيان،
¬_________
(¬1) سورة الإسراء: الآية (15).
(¬2) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و (م) و (ت).
(¬3) سورة النساء: الآية (59).
(¬4) سورة الأنعام: الآية (57).
(¬5) في (ت): "يشير بها".
(¬6) الآية: (93) من سورة المائدة. وقوله تعالى: {إِذَا مَا اتَّقَوْا} من (ر) و (غ) فقط.
(¬7) من قوله تعالى: {إِذَا مَا اتَّقَوْا} إلى هنا سقط من (ت).
(¬8) قوله: "ابن أبي طالب" من (ر) و (غ) فقط.
الصفحة 369