كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فصل
وَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي الْمَالِ (¬1): أَن الْكُفَّارَ قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} (¬2)، فإِنهم لما استحلّوا العمل به؛ احتجّوا بقياسٍ فاسدٍ، فَقَالُوا: إِذا فَسَخَ الْعَشَرَةَ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا إِلى شَهْرٍ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ إِلى شَهْرَيْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ إِلى شَهْرَيْنِ، فأَكذبهم اللَّهُ تَعَالَى وَرَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}؛ أَي (¬3): لَيْسَ الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. فَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ أَخذوا بِهَا مُسْتَنِدِينَ إِلى رأْيٍ فاسدٍ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ المُحْدَثات؛ كَسَائِرِ مَا أَحدثوا فِي الْبُيُوعِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمُ، الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْخَطَرِ (¬4) وَالْغَرَرِ.
وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ قَدْ شَرَعَتْ أَيضاً أَشياءَ فِي الأَموال؛ كَالْحُظُوظِ الَّتِي (¬5) كَانُوا يُخْرِجُونَهَا للأَمير مِنَ الغنيمة، حتى قال شاعرهم (¬6):
¬_________
(¬1) في (غ): "الآمال".
(¬2) سورة البقرة: الآية (275).
(¬3) قوله: "أي" سقط من (خ)، وعلق رشيد رضا على موضعه بقوله: لعله سقط من هنا كلمة "أي".اهـ.
(¬4) في (ر) و (غ): "الخطار".
(¬5) في (خ) و (ت) و (م): "الذي".
(¬6) هو عبد الله بن عَنَمَةَ الضّبِّي شاعر مخضرم كما في "تهذيب التهذيب" (5/ 345 ـ 346 رقم 599)، وهذه القصيدة قالها يرثي بها بسطام بن قيس لما قُتل، ومطلعها:
لأُِمّ الأرضِ وَيْلٌ ما أَجنَّتْ ... غَدَاةَ أضرَّ بالحَسَن السبيلُ
وقد نسبت هذه القصيدة للأصمعي؛ كما في "الأصمعيات" (ص32)، ولعلّه اعتماداً على قول أبي علي القالي في "الأمالي" (1/ 142): "وأنشدنا الأصمعي: لك المرباع منها والصفايا ـ وحكمك والنشيطة والفضول"، ولا يلزم من إنشاد الأصمعي لها أن يكون هو القائل. وانظر "البيان والتبيين" للجاحظ (1/ 199)، و"الحماسة" لأبي تمَّام (1/ 420)، و"معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (2/ 479)، و"تاريخ دمشق" لابن=
الصفحة 374