كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فتأَمّل (¬1) كَيْفَ جَعَلَ الْقِيَامَ [فِي الشَّمْسِ] (¬2)، وتَرْكَ الْكَلَامَ، ونَذْرَ المَشْيِ إِلى الشَّامِ أَو مِصْرَ معاصيَ، حتى فسر بها (¬3) الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ، مَعَ أَنها فِي أَنفسها أَشياء مُبَاحَاتٍ (¬4)، لَكِنَّهُ لَمَّا أَجراها مَجْرَى مَا يُتَشَرَّعُ (¬5) به، ويُدانُ اللهُ بِهِ؛ صَارَتْ عِنْدَ مالكٍ معاصيَ لِلَّهِ، وكُلِّيَّةُ قَوْلِهِ: "كلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" شَاهِدَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْجَمِيعُ يَقْتَضِي التأْثيم وَالتَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ، وَهِيَ خَاصِّيَّةُ المُحَرَّم.
وَقَدْ مرَّ (¬6) مَا رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّار عن مالك (¬7) وأَتاه (¬8) رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! من أَين أُحْرِم؟ قال: من ذي الحليفة؛ مِنْ حَيْثُ أَحرم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: إِني أُريد أَن أُحْرِمَ من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: إِني أُريد أَن أحرم من المسجد من (¬9) عند الْقَبْرِ (¬10): قَالَ: لَا تَفْعَلْ؛ فإِني أَخشى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ. قَالَ: وأَي فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟ إِنما هِيَ أَميال أَزيدها، قَالَ: وأَي فِتْنَةٍ أَعظم من أَن ترى أَنك سبقت إِلى فضيلةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ إِني سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (¬11).
فأَنت تَرَى أَنه خَشِيَ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي الإِحرام مِنْ مَوْضِعٍ فَاضِلٍ لَا بُقْعَةَ أَشرف منه (¬12)،
¬_________
(¬1) في (غ) و (ر): "تأمل".
(¬2) في جميع النسخ: "للشمس".
(¬3) في (خ) و (م): "فيها".
(¬4) في (غ) و (ر): "أنفسنا أشياء مباحة".
(¬5) في (م): "ما يشرع".
(¬6) في الجزء الأول (ص230 ـ 231)، وهناك نقله عن أبي بكر ابن العربي، والنص عند ابن العربي في كتابه "أحكام القرآن" (3/ 1412 ـ 1413)؛ حيث ساقه بسنده عن الزبير بن بكار؛ قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل ... ، فذكر القصة.
وأخرجها ابن بطة في "الإبانة" (1/ 261 ـ 262 رقم 98) من طريق حميد بن الأسود؛ قال: قال رجل لمالك بن أنس ... ، فذكرها.
(¬7) قوله: "عن مالك" سقط من (خ) و (م).
(¬8) في (ت): "أنه أتاه".
(¬9) قوله: "من" ليس في (غ) و (ر).
(¬10) في (ت): "من عند القبر الشريف".
(¬11) الآية: (63) من سورة النور.
(¬12) قول المصنف هذا مما لا دليل عليه، بل الدليل يعارضه، يوضح ذلك ويُجَلّيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى" (27/ 37) حين سئل عن التربة التي دُفِن فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم: هل هي أفضل من المسجد الحرام؟ فأجاب بقوله: "وأما التربة التي=