كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
ويجاب عنه بأَنه إن كان (¬1) هذا النظر (¬2) يدل على ما ذُكر؛ فَفِي (¬3) النَّظَرِ مَا يَدُلُّ مِنْ جِهَةٍ أُخرى عَلَى إِثبات الصَّغِيرَةِ مِنْ أَوجه:
أَحدها: أَنا نَقُولُ: الإِخلال بِضَرُورَةِ النَّفْسِ كَبِيرَةٌ بِلَا إِشكال، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ، أَدناها لَا يُسَمَّى كَبِيرَةً، فَالْقَتْلُ كَبِيرَةٌ، وَقَطْعُ الأَعضاءِ مِنْ غَيْرِ إِجهاز (¬4) كبيرة دونها، وقطع عُضْوٍ واحد فقط (¬5) كَبِيرَةٌ دُونَهَا، وهَلُمّ جَرَّا إِلى أَن تَنْتَهِيَ (¬6) إِلى اللَّطْمَةِ، ثُمَّ إِلى أَقل خَدْشٍ يُتَصَوَّرُ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِي مَثَلِهِ كَبِيرَةٌ، كَمَا قَالَ (¬7) العلماءُ فِي السَّرِقَةِ: إِنها كَبِيرَةٌ؛ لأَنها إِخلال بِضَرُورَةِ الْمَالِ. فإِن كَانَتِ السَّرِقَةُ فِي لُقمة، أَو تطفيفٍ بِحَبَّةٍ (¬8)، فَقَدْ عَدُّوهُ من الصغائر، وهكذا (¬9) فِي ضَرُورَةِ الدِّينِ أَيْضًا.
فَقَدْ جاءَ فِي بَعْضِ الأَحاديث عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَول مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمانة، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةَ، ولتُنْقَضَنّ عُرَى الإِسلام (¬10) عُرْوَةً عُرْوَةً (¬11)، ولَيُصَلِّيَنّ نِسَاءٌ وهُنَّ حُيَّضٌ"، ثُمَّ قال: "وَحَتَّى (¬12) تَبْقَى فِرْقَتَانِ مِنْ فِرَقٍ كَثِيرَةٍ تَقُولُ إِحداهما: مَا بَالُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؟ لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلنا، إِنما قَالَ اللَّهُ: {وَأَقِمِ (¬13) الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} (¬14)، لا تُصَلّون إِلا ثلاثاً. وتقول الأُخرى (¬15): إِنا لمؤمنون (¬16) بِاللَّهِ إِيمان الْمَلَائِكَةِ، مَا فِينَا كَافِرٌ، حقٌّ على الله أَن يحشرهما مع الدجال" (¬17).
¬_________
(¬1) قوله: "كان" سقط من (م).
(¬2) في (خ) و (ت): "ويجاب عنه بأن هذا النظر".
(¬3) في (ت): "وفي".
(¬4) أي: من غير قتل.
(¬5) قوله: "فقط" من (ر) و (غ) فقط.
(¬6) في (ر) و (غ): "ينتهي".
(¬7) في (ر) و (غ): "يقول".
(¬8) في (ت): "حبة".
(¬9) في (خ) و (م) و (ت): "وهذا".
(¬10) في (خ): "الإيمان" بدل "الإسلام".
(¬11) قوله: "عروة" الثانية سقط من (م).
(¬12) في (خ) و (م) و (ت): "حتى".
(¬13) في جميع النسخ: "أقم".
(¬14) الآية: (114) من سورة هود.
(¬15) في (خ) و (م): "أخرى".
(¬16) في في (خ) و (م) و (ت): "لنؤمن".
(¬17) أخرجه الخلال في "السنة" (ق123/ب)، وابن بطة في "الإبانة" (8)، كلاهما من=
الصفحة 391