كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

أُظهر فِيهَا فَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ، فكأَنّ المُظْهِرَ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا.
قَالَ أَبو مُصْعَبٍ (¬1): قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، فصلَّى، وَوَضَعَ رداءَه بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا سلَّم الإِمام رَمَقَهُ (¬2) النَّاسُ بأَبصارهم، ورَمَقوا مَالِكًا ـ وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الإِمام ـ، فَلَمَّا سلَّم قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الحَرَس؟ فجاءَه نَفْسَانِ، فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ، فحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنه ابْنُ مَهْدِيٍّ، فوجَّه إِليه وَقَالَ لَهُ (¬3): أَمَا خِفْتَ (¬4) اللَّهَ واتَّقَيْتَه أَن وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِليه، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمعين" (¬5)؟ فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَن لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبداً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عن ابن مهدي (¬6) قال: فقلت للحرسِيَّيْن: تذهبان بي إلى أبي (¬7) عبد الله؟ قالا: إِن شئت، فذهبا (¬8) بي (¬9) إِليه، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! تُصَلِّي مُسْتَلباً (¬10)؟! فَقُلْتُ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! إِنه كَانَ يَوْمًا حارًّا ـ كما
¬_________
(¬1) ذكرها القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (2/ 40)، وتقدمت في الجزء الأول (ص204 ـ 205).
(¬2) في (غ): "رمقوا"، ويشبه أن تكون هكذا في (ر).
(¬3) قوله: "له" ليس في (ر) و (غ).
(¬4) في (خ) و (م) و (ت): "ما خفت".
(¬5) الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (1867 و7306)، ومسلم (1366 و1367)، كلاهما من طريق عاصم بن سليمان الأحول؛ قال: قلت لأنس بن مالك: أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة؟ قال: نعم! ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثاً، قال: ثم قال لي: هذه شديدة: "مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً". قال: فقال ابن أنس: أو آوى مُحْدثاً. اهـ. واللفظ لمسلم.
ولا شك أن أول ما ينصرف إليه هذا الحديث من المدينة: مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولذلك جعل مالك رحمه الله السياق هكذا: "من أحدث في مسجدنا ... " إلخ، وأما لفظ الحديث، فهو الذي تقدم.
(¬6) ذكرها القاضي عياض في الموضع السابق.
(¬7) قوله: "أبي" سقط من (م) ".
(¬8) في (خ): و (ت): "فذهبنا".
(¬9) قوله: "بي" من (ر) و (غ) فقط، والمثبت موافق لما في "ترتيب المدارك".
(¬10) في (ر) و (غ): "متسلباً"، وفي (م): "مستلب".

الصفحة 408