كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعَةِ (¬1): أَن مَنْ سَمِعَ التَّثْوِيبَ وَهُوَ (¬2) فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْهُ، كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَفِي المسأَلة كَلَامٌ، والمقصود (¬3) مِنْهُ التَّثْوِيبُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: إِنه ضَلَالٌ، وَالْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى التَّشْدِيدِ فِي الأُمور الْمُحْدَثَةِ أَن تَكُونَ فِي مَوَاضِعِ الْجَمَاعَةِ (¬4)، أَو فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، ويُحَافَظُ فيها (¬5) عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ أَشد الْمُحَافَظَةِ، لأَنها إِذا أُقيمت هُنَالِكَ أَخذها النَّاسُ وَعَمِلُوا بِهَا، فَكَانَ وِزْرُ ذَلِكَ عَائِدًا عَلَى الْفَاعِلِ أَوَّلاً، فيَكْثُر (¬6) وِزْرُهُ، ويَعْظُم خطر بدعته.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَن لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا ـ وإِن فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً ـ، فإِن ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعظم مِنَ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ. وَذَلِكَ أَن الذَّنْبَ لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ (¬7) مِنْ جِهَةِ رُتْبَتِهِ في الشرع (¬8)، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الرَّبِّ الْعَظِيمُ بِهِ.
فأَما النَّظَرُ الأَول: فَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ يُعَدّ صَغِيرًا إِذا (¬9) فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنه صَغِيرٌ، لأَنا نضعه حيث وضعه الشرع.
وأَما النظر (¬10) الْآخَرُ: فَهُوَ رَاجِعٌ إِلى اعْتِقَادِنَا فِي الْعَمَلِ به؛ حيث نَسْتَحْقِرُ مواجهة (¬11) الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالَّذِي كَانَ يَجِبُ فِي حَقِّنَا أَن نَسْتَعْظِمَ ذَلِكَ جِدًّا، إِذ لَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ بَيْنَ الْمُوَاجَهَتَيْنِ: الْمُوَاجَهَةُ بِالْكَبِيرَةِ، والمواجهة بالصغيرة.
¬_________
(¬1) انظر: "البيان والتحصيل" (1/ 435 و436).
(¬2) قوله: "وهو" ليس في (ر) و (غ).
(¬3) في (خ): "المقصود".
(¬4) في (ت): أن لا تكون في مواضع الجماعات".
(¬5) في (خ) و (ت) و (م): "والمحافظة" بدل "ويحافظ فيها".
(¬6) في (ر) و (غ): "فيكبر".
(¬7) قوله: "نظر" ليس في (خ).
(¬8) في (خ) و (م): "الشرط". بدل "الشرع"، وفي هامش (م) كتب: "لعله الشرع".
(¬9) في (ت) و (م): "إذ".
(¬10) قوله: "النظر" ليس في (خ) و (ت) و (م).
(¬11) في (م): "نستحر مواجهة" وفي (خ) و (ت): "نستحرم جهة".

الصفحة 412