كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ عِنْدَهُ كَوْنُهَا عُدَّت مِنَ الْمُحْدَثَاتِ؛ إِذ في الأَثر (¬1): "أَول مَا أُحدث بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنَاخِلُ" (¬2)، أَو كَمَا قَالَ، فَأَخَذَ (¬3) بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مَنْ أَخذ بِهِ، كَمُحَمَّدِ بن أَسلم. وظاهرٌ (¬4) أَن ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَف والتَّنَعُّم الَّذِي أَشار إِلى كَرَاهِيَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (¬5) الْآيَةَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنه بِدْعَةٌ.
وَقَوْلُهُمْ: كَمَا يُتَصَوَّر ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ يُتَصَوَّر فِي الْعَادَاتِ: مُسَلَّم، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، وإِنما كلامنا (¬6) فِي الْوُقُوعِ، وَفِيهِ النِّزَاعُ.
وأَما مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الأَحاديث: فَلَيْسَ فِيهَا عَلَى المسأَلة دَلِيلٌ وَاحِدٌ، إِذ لَمْ يُنَصَّ عَلَى أَنها بِدَعٌ أَو مُحْدَثَاتٌ، أَو مَا يُشِيرُ إِلى ذَلِكَ الْمَعْنَى. وأَيضاً إِن عدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ من (¬7) الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ وَالْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا (¬8) فِي الزَّمَانِ الأَول بِدَعاً، وَهَذَا شَنِيعٌ، فإِن مِنَ الْعَوَائِدِ (¬9) ما يختلف (¬10) بحسب الأَزمان والأَمكنة والاسم، أفيكون (¬11) كُلُّ مَنْ خَالَفَ الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدركوا الصَّحَابَةَ رضي الله تعالى عنهم واعتادوا مثل عوائدهم
¬_________
(¬1) في (خ) و (م): "الأمر"، وفي موضعه بياض في (ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل. اهـ. ويعني بالأصل: (خ).
(¬2) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقال الغزالي في "الإحياء" (1/ 126): ويقال: أول ما ظهر من البدع بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع: المناخل، والأسنان، والموائد، والشبع.
وفي "صحيح البخاري" (5413) عن سهل بن سعد قال: ما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه.
وفي "الطبقات" لابن سعد (1/ 408) عن سهل بن سعد: ما رأيت منخلاً في ذاك الزمان ... ".
(¬3) في (ر) و (غ): "وأخذ".
(¬4) في (خ) و (ت): "وظاهره".
(¬5) سورة الأحقاف: الآية (20).
(¬6) في (خ) و (م): "وإنما الكلام".
(¬7) قوله: "من" من (ر) و (غ) فقط.
(¬8) في (ر) و (غ): "لها" بدل "بها".
(¬9) في (ر) و (غ): "شنيع ومن العوائد" وفي (م): "شنيعاً من العوائد"، والمثبت من (خ) و (ت).
(¬10) في (خ) و (م) و (ت): "ما تختلف".
(¬11) في (ت) و (خ): "فيكون".

الصفحة 426