كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

فصل
أَفعال الْمُكَلَّفِينَ ـ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا ـ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَن تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التعبُّدات.
وَالثَّانِي: أَن تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ.
فأَما الأَول: فَلَا نَظَرَ فِيهِ هَاهُنَا.
وأَما الثَّانِي ـ وَهُوَ الْعَادِيُّ ـ: فَظَاهِرُ النَّقْلِ عَنِ السَّلَف الأَوَّلين أَن المسأَلة مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُرشِدُ كلامُه إِلى أَن الْعَادِيَّاتِ كَالْعِبَادِيَّاتِ، فَكَمَا أَنا مأَمورون فِي الْعِبَادَاتِ بأَن لا نُحْدِثَ فيها، فكذلك في (¬1) الْعَادِيَّاتُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسلم (¬2)، حَيْثُ كَرِه فِي سُنَّة الْعَقِيقَةِ مُخَالَفَةَ مَنْ قَبِلَهُ فِي أَمرٍ عاديٍّ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ المَنَاخِل، مَعَ الْعِلْمِ (¬3) بأَنه مَعْقُولُ الْمَعْنَى، نَظَرًا مِنْهُ ـ وَاللَّهُ أَعلم ـ إِلى أَن الأَمر بِاتِّبَاعِ (¬4) الأَوّلين ـ عَلَى الْعُمُومِ ـ غَلَبَ عَلَيْهِ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، وَيَظْهَرُ أَيضاً مِنْ كَلَامِ مَنْ قَالَ: أَول مَا أَحدث النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنَاخِلُ (¬5).
ويُحكى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبي (¬6) راشد أَنه قال: لولا أن أخالف (¬7) مَنْ كَانَ قَبْلِي؛ لَكَانَتِ الجَبَّانَةُ (¬8) مَسْكَنِي إِلى أَن أَموت (¬9).
¬_________
(¬1) قوله: "في" من (ر) و (غ) فقط.
(¬2) تقدم تخريجه صفحة (417 ـ 418).
(¬3) قوله: "مع العلم" مكرر في (ر).
(¬4) في (ت): "إلى أن اتباع".
(¬5) راجع صفحة (417 ـ 418 و425 ـ 426).
(¬6) قوله: "أبي" سقط من (ر) و (غ).
(¬7) في (م): "لولا أني أخالف" وفي (خ) و (ت): "لولا أني أخاف".
(¬8) الجَبَّانَةُ: الصحراء. انظر "لسان العرب" (13/ 85).
(¬9) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (5/ 77) من طريق أبيه، عن عبد الله بن محمد بن عمر،=

الصفحة 428