كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وإِنما يوجد فيه (¬1) النهي من جهة كونه (¬2) تَشْرِيعًا مَوْضُوعًا عَلَى النَّاسِ أَمرَ وجوبٍ أَو ندبٍ، إِذ لَيْسَ فِيهِ جِهَةٌ أُخرى يَكُونُ بِهَا مَعْصِيَةً؛ بَلْ نَفْسُ التَّشْرِيعِ هُوَ نَفْسُ الْمَمْنُوعِ.
وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ، وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ (¬3) مَنْ لَا يَصْلُحُ (¬4) بِطَرِيقِ التَّوْرِيثِ، هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ، فإِن جَعْلَ الْجَاهِلِ (¬5) فِي مَوْضِعِ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرَ مُفْتِيًا فِي الدِّينِ، وَمَعْمُولًا بِقَوْلِهِ فِي الأَموال والدماءِ والأَبضاع وَغَيْرِهَا مُحَرَّمٌ فِي الدِّينِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ يُتّخذ (¬6) دَيْدَنًا حَتَّى يَصِيرَ (¬7) الِابْنُ مُسْتَحِقًّا لِرُتْبَةِ الأَب ـ وإِن لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الأَب فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ ـ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، بحيث يشيع هذا العمل ويطَّرد، ويَعُدّه (¬8) النَّاسُ كَالشَّرْعِ الَّذِي لَا يُخالف؛ بِدَعَةً (¬9) بِلَا إِشكال، زِيَادَةً إِلى الْقَوْلِ بالرأْي غَيْرِ الْجَارِي عَلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، أَو سببُ البدعةِ كَمَا سيأْتي تَفْسِيرُهُ إِن شاءَ اللَّهُ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: "حَتَّى إِذا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ؛ اتَّخَذَ الناس رؤساءَ (¬10) جهالا، فَسُئلوا، فأَفتوا بغير علم، فضَلّوا وأَضلوا" (¬11)، وإِنما ضلوا وأضلوا؛ لأَنهم أَفتوا بالرأْي؛ إِذ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ.
وأَما إِقامة صُوَرِ الأَئمة وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الأُمور (¬12) عَلَى خِلَافِ ما كان
¬_________
(¬1) في (خ) و (م) و (ت): "به".
(¬2) في (خ) و (ت) و (م): "كونها".
(¬3) في (ت) و (خ): "الشريفة".
(¬4) في (ر) و (غ): "لا يصلح بها"، وفي (ت): "لا يصلح لها"، وعلّق رشيد رضا هنا بقوله: أي: لا يصلح هنا. اهـ.
(¬5) في (م): "الجهال".
(¬6) في (ت): "يصير"، وذكر بهامشها أن في نسخة: "يتخذ".
(¬7) في (ت): "يكون" بدل "يصير".
(¬8) في (خ) و (ت) و (م): "ويرده".
(¬9) قال رشيد رضا: قوله: "بدعة": هو خبر: "وكذلك تقديم الجهال".اهـ.
(¬10) في (خ): "رءوساً".
(¬11) أخرجه البخاري (100) و (7307)، ومسلم (2673) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(¬12) في (خ) و (ت) و (م): "الأمر".

الصفحة 432