كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

قَالَ بَعْضُهُمْ (¬1): عَامَّةُ الْعِينَةِ (¬2) إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ رَجُلٍ يُضْطَرُّ إِلى نَفَقَةٍ يَضِنّ عَلَيْهِ الْمُوسِرِ بالقرض، إِلا أَن يُربحه في المائة ما أَحب (¬3)، فيبيعه ثَمَنُ الْمِائَةِ بِضَعْفِهَا أَو نَحْوِ ذَلِكَ، ففسَّر بَيْعُ الْمُضْطَرِّ بِبَيْعِ العِينة، وَبَيْعُ الْعِينَةِ إِنما هُوَ الْعَيْنُ (¬4) بأَكثر مِنْهَا إِلى أَجل ـ حَسْبَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ ـ، فَقَدْ صَارَ الشُّحُّ إِذاً سَبَبًا فِي دُخُولِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ فِي البيوع.
فإِن قيل: كلامنا في البدعة، لا فِي فَسَادِ (¬5) الْمَعْصِيَةِ؛ لأَن هَذِهِ الأَشياء بُيُوعٌ فَاسِدَةٌ، فَصَارَتْ مِنْ بَابٍ آخَرَ لَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ.
فَالْجَوَابُ: أَن مَدْخَلَ الْبِدْعَةِ هَاهُنَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَالِ الَّذِي أَجازه بَعْضُ النَّاسِ، فَقَدْ عَدَّهُ العلماءُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كتابٍ (¬6) وضِعَ فِي الحِيَل (¬7): "من وضعَ هذا الكتاب (¬8) فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ حَمَلَهُ مِنْ كُورة إِلَى كُورَةٍ (¬9) فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَذَلِكَ أَنه وَقَعَ (¬10) فِيهِ احتيالات (¬11) بأَشياء مُنْكَرَةٍ، حَتَّى احْتَالَ عَلَى فِرَاقِ الزَّوْجَةِ زوجها بأَن تَرْتَدَّ".
¬_________
(¬1) هو شيخ الإسلام ابن تيمية في "إقامة الدليل" (3/ 137/الفتاوى الكبرى)، وعنه ابن القيم في "إعلام الموقعين" (3/ 170) مع اختلاف يسير.
(¬2) في (ر) و (غ): "الفتنة".
(¬3) في (ت): "ما يحب".
(¬4) في (ت): "إنما هو بيع العين"، لكن قوله: "بيع" ملحق، وليس في الأصل.
(¬5) في (خ) و (م): "في البدعة في فساد"، وكذا كان في (ت)، وألحق الناسخ في الهامش حرف "لا" قبل قوله: "فساد".
(¬6) في (ت): "في حق كتاب".
(¬7) نقله عن ابن المبارك أيضاً شيخُ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (3/ 168 ـ 169).
وانظر: "الموافقات" للمصنف (3/ 124 ـ 125) و (5/ 188)، و"الفتاوى الكبرى" (3/ 170) و"الفتح" لابن حجر (12/ 326).
(¬8) قوله: "الكتاب" ليس في (خ) و (م) و (ت).
(¬9) كُوَرة ـ على وزن صُورة ـ: المدينة. انظر: "لسان العرب" (5/ 154).
(¬10) في (ر) و (غ): "وضع" بدل "وقع".
(¬11) في (خ) و (ت) و (م): "الاحتيالات".

الصفحة 441