كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

ـ وَهُوَ أَخذ الْعَذَابِ لَيْلًا ـ، وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ؛ كما في حديث أَبي داود، وكما (¬1) في الحديث قَبْلُ (¬2)؛ حَيْثُ قَالَ (¬3): يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرض، وَيَمْسَخُ منهم قردة وخنازير. وكأَن الخسف ها هنا (¬4) هو التَّبْيِيتُ الْمَذْكُورَ فِي الْآخَرِ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَن هؤلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَلّوا هَذِهِ الْمَحَارِمَ كَانُوا متأَوِّلين فِيهَا؛ حَيْثُ زَعَمُوا [أَن] (¬5) الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ هُوَ الْخَمْرُ، وإِنما لَهُ اسْمٌ آخَرُ، إِما النَّبِيذُ أَو غَيْرُهُ، وإِنما الْخَمْرُ عَصِيرُ الْعِنَبِ النِّيْءِ، وَهَذَا رأْي طَائِفَةٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَن كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ (¬6).
قَالَ بَعْضُهُمْ (¬7): وإِنما أَتى (¬8) عَلَى هؤلاءِ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَاتِ بِمَا ظَنُّوهُ مِنِ انْتِفَاءِ الِاسِمِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلى وُجُودِ الْمَعْنَى المُحَرِّم وَثُبُوتِهِ. قَالَ: وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا شُبْهَةُ (¬9) الْيَهُودِ فِي اسْتِحْلَالِهِمْ بيع الشَّحْم بعد جَمْلِه (¬10)،
¬_________
(¬1) في (خ): "كما".
(¬2) في (م): "قيل".
(¬3) قوله: "قال" سقط من (خ).
(¬4) في (ر) و (غ): "الخسف هنا".
(¬5) ما بين معقوفين سقط من جميع النسخ، والسياق يقتضيه، وقد أثبته أيضاً محمد رشيد رضا.
(¬6) أخرجه مسلم (2003) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ... " الحديث.
(¬7) هو شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ، وقوله هذا في "إقامة الدليل" من "الفتاوى الكبرى" (3/ 129)، ومن الجدير بالذكر أن المصنف رحمه الله قد استفاد في كثير من مباحث هذا الفصل ـ وهو الحيل ـ من كلام شيخ الإسلام رحمه الله حيث نقل كثيراً من عباراته، والمصنف إنما لم يصرح باسمه "اتقاءً لما وقع في الخُلُوف من عداوته، والنفرة منه" كما سبق نقله عن الشيخ بكر أبو زيد في تقديمه لـ" الموافقات " (ا/و)، والله أعلم.
(¬8) في (ت): "أوتي".
(¬9) في (ت): "هي شبهة".
(¬10) أي: بعد إذابته.
والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (2223 و3460)، ومسلم (1582)، كلاهما من رواية ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم؛ أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لعن الله اليهود؛ حُرِّمت عليهم الشحوم، فجَمَلوها، فباعوها".
وأخرجه البخاري (2224)، ومسلم (1583) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها".

الصفحة 447