كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وَالْوَقَارُ، فأَن (¬1) يُلْزَمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهَا المتَّخذ لَهَا أَولى (¬2).
وَرَوَى مَالِكٌ: أَن عُمَرَ بْنَ الخطاب رضي الله عنه بنى رَحْبَةً في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تسمَّى البُطَيْحاء (¬3)، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَن يَلْغَط، أَو يُنْشِدَ شِعْرًا، أَو يَرْفَعَ صَوْتَهُ؛ فَلْيَخْرُجْ إِلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ (¬4).
فإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنْ أَين يَدُلُّ ذَمُّ رَفْعِ (¬5) الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْجَدَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحدهما: أَن رَفْعَ (¬6) الصَّوْتِ مِنْ خَوَاصِّ الْجَدَلِ الْمَذْمُومِ، أَعني فِي أَكثر الأَمر دُونَ الفَلتات؛ لأَن رَفْعَ الصَّوْتِ (¬7) وَالْخُرُوجَ عَنِ الِاعْتِدَالِ فِيهِ ناشئٌ عَنِ الْهَوَى فِي الشيءِ المتكلَّم فِيهِ، وأَقرب الْكَلَامِ الْخَاصِّ بِالْمَسْجِدِ إِلى رَفْعِ الصَّوْتِ: الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَن فِيهِ، وَهُوَ الْجِدَالُ (¬8) الَّذِي نبَّه عَلَيْهِ الْحَدِيثُ المتقدم.
¬_________
(¬1) في (ر) و (غ): "فَبِأن"، وفي (م): "بأن".
(¬2) في (ت): "وعلينا السكينة والوقار، فإن كان يلزم ذلك في نفسها، ففي موضعها المتخذ لها أولى"، وفي الهامش: "في غير محلها"؛ كأنه يريده بدلاً من قوله: "في نفسها".
(¬3) في (ر) و (غ): "البطحاء".
(¬4) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 175)، هكذا: أنه بلغه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بنى رحبة ... إلخ. كذا جاء بلاغاً في رواية يحيى الليثي عن مالك.
وأخرجه البيهقي في "السنن" (10/ 103) من طريق يحيى بن بكير، عن مالك؛ حدثني أبو النضر، عن سالم بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب ... ، فذكره.
وذكر ابن عبد البر في "الاستذكار" (6/ 355) أن في رواية القعنبي، ومطرِّف، وأبي مصعب عنه، عن أبي النضر، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب ... ، فذكره.
وهذا إسناد صحيح.
(¬5) في (ر): "رفع ذم"، وكتب الناسخ عليهما علامتي التقديم والتأخير.
(¬6) في (خ): "يرفع".
(¬7) قوله: "الصوت" سقط من (م)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر اللحق في التصوير.
(¬8) في (ر) و (غ): "الجدل".

الصفحة 468