كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وأَيضاً: لَمْ يَكْثُرِ الْكَلَامُ جِدًّا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنواع الْعِلْمِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ إِلا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وإِلى غَرَضِهِ تَصَوَّبَتْ (¬1) سِهَامُ النقد والذم، فهو إِذاً هو.
وَقَدْ رُوي عَنْ عَمِيرَةَ (¬2) بْنِ أَبي نَاجِيَةَ المصري أَنه رأَى قوماً يتمارون (¬3) فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ عَلَتْ أَصواتهم، فَقَالَ: هؤلاءِ قَوْمٌ قَدْ مَلّوا الْعِبَادَةَ، وأَقبلوا عَلَى الْكَلَامِ، اللَّهُمَّ! أَمِتْ عُمَيْرَةَ، فَمَاتَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ، فرأَى رَجُلٌ (¬4) فِي النَّوْمِ قَائِلًا يقول له (¬5): مات هذه الليلة نصف الناس، فعرف (¬6) تلك الليلة، فجاءَ فيها (¬7) مَوْتُ عُمَيْرَةَ هَذَا (¬8).
وَالثَّانِي: أَنا لَوْ سَلَّمْنَا أَن مجرد رفع الصوت لا يَدُلُّ (¬9) عَلَى مَا قُلْنَا؛ لَكَانَ أَيضاً مِنَ الْبِدَعِ إِذا عُدَّ كأَنه مِنَ الْجَائِزِ فِي جَمِيعِ أَنواع الْعِلْمِ، فَصَارَ مَعْمُولًا بِهِ لَا يُتَّقَى (¬10)، وَلَا يُكَفّ عَنْهُ، فَجَرَى (¬11) مَجْرَى الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ.
وأَما تَقْدِيمُ الأَحداث عَلَى غَيْرِهِمْ: فَمِنْ (¬12) قَبِيلِ ما تقدم في كثرة الجهل (¬13)، وقلة العلم، كان ذلك التقديم في رُتَب العلم أَو غيره، لأَن
¬_________
(¬1) في (ر) و (غ): "عربت" بدل: "تصوبت".
(¬2) في (م): "غيره" بدل "عميرة".
(¬3) في (خ) و (م): "يتعارون" بالعين المهملة، وفي (ت): "يتغايرون"، وصوبها في الهامش: "يتعازرون"، وذكر أن في نسخة: "ويتعارون".
(¬4) في (م): "رجلاً".
(¬5) قوله: "له" ليس في (خ).
(¬6) في (ت) و (خ): "فعرفت".
(¬7) قوله: "فيها" ليس في (خ) و (ت).
(¬8) أورد هذه القصة المزي في "تهذيب الكمال" (22/ 400).
(¬9) في (ت) و (م) و (خ): "رفع الأصوات يدل".
(¬10) في (م): "لا نقي"، وفي (ت): "لا ينهى"، وفي (خ): "لا نفي"، أو "لا يفي"؛ لم تنقط نوناً ولا ياءً، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: الكلمة غير منقوطة في الأصل، وتحتمل بالتصحيف والتحريف عدة احتمالات. اهـ.
(¬11) قوله: "فجرى" سقط من (خ)، وعلق على موضعه رشيد رضا بقوله: كذا! ولعل أصله: فجرى مجرى البدع المحدثات. اهـ.
(¬12) قوله: "فمن" لم يتضح في مصورة (خ)، وأثبته رشيد رضا: "من"، وعلق عليه بقوله: لعل الأصل: "فمن".اهـ.
(¬13) في (خ) و (ت) و (م): "الجهال".

الصفحة 469