كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وَالثَّالِثُ: أَن يَعْمَلَ بِهَا الْجَاهِلُ مَعَ سُكُوتِ الْعَالِمِ عَنِ الإِنكار، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَفْهَمَ الْجَاهِلُ أَنها لَيْسَتْ بِمُخَالَفَةٍ.
وَالرَّابِعُ: مِنْ بَابِ الذرائع، وهو (¬1): أَن يَكُونَ الْعَمَلُ فِي أَصله مَعْرُوفًا، إِلا أَنه يَتَبَدَّلُ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مَعَ طُولِ الْعَهْدِ بِالذِّكْرَى (¬2).
إِلا أَن هَذِهِ الأَقسام لَيْسَتْ عَلَى وزانٍ واحدٍ، وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْبِدْعَةِ عَلَيْهَا بِالتَّوَاطُؤِ، بَلْ هِيَ فِي القُرب وَالْبُعْدِ عَلَى تَفَاوُتٍ:
فالأَول: هُوَ الْحَقِيقُ بِاسْمِ الْبِدْعَةِ، فإِنها تؤخذ عنه (¬3) بِالنَّصِّ عَلَيْهَا.
وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّانِي: فإِن الْعَمَلَ يشبه (¬4) التَّنْصِيصُ بِالْقَوْلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَبلغ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ ـ كَمَا تبَّين فِي الأُصول ـ، غَيْرَ أَنه لا يتنزَّل (¬5) هاهنا من كل وجه منزلته؛ بدليل (¬6): أَن العالِمَ قَدْ يَعْمَلُ وَيَنُصُّ عَلَى قُبح عَمَلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا (¬7): لَا تَنْظُرْ إِلى عَمَلِ الْعَالِمِ، وَلَكِنْ سَلْهُ يَصْدُقْكَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحمد أَو غَيْرُهُ:
اعْمَلْ بعِلْمِي وَلَا تَنْظُر إِلى عَمَلِي ... يَنْفَعْكَ عِلْمِي وَلا يَضْرُرْكَ (¬8) تَقْصِيرِي (¬9)
¬_________
(¬1) في (خ) و (م): "وهي".
(¬2) في (ت): "بالأصلي" بدل "بالذكرى".
(¬3) في (ت) و (خ) و (م): "علة".
(¬4) في (خ) و (م): "يشبهه".
(¬5) في (ت) و (م) و (خ): "لا ينزل".
(¬6) في (خ): "منزلة الدليل". وفي (ت) و (م): "منزلة دليل".
(¬7) القائل هو: إياس بن معاوية القاضي، وقوله هذا أخرجه وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 350)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (1/ 213 رقم 328)، كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن إياس بن معاوية قال: لا تنظر إلى ما يعمل الفقيه، فإنه يصنع الأشياء يكرهها، ولكن سَلْه يخبرك بالحق.
هذا لفظ وكيع، ونحوه لفظ السهمي، إلا أنه قال: "العالم" بدل "الفقيه"، وقال: "ولكن قل له" بدل "ولكن سله".
وذكر المزي في "تهذيب الكمال" (3/ 433) أن عمر بن شبّة قال: حدثنا موسى بن إسماعيل؛ قال: حدثنا حماد بن سلمة؛ قال: قال إياس ... ، فذكره مثل لفظ السهمي.
وذكره ابن القيم في "إعلام الموقعين" (3/ 169) معلَّقاً عن إياس.
(¬8) في (ت) و (خ) و (م): "يضرك".
(¬9) انظر: "جمهرة خطب العرب" (2/ 277).

الصفحة 494