كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
الدِّينُ تَامًّا إِلَّا بِالْقَوْلِ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ: فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا أَم تَرَكَهُمْ؟ قَالَ: تركهم (¬1). قال له: فَعَلِمَها (¬2) أَم لَمْ يَعْلَمْهَا؟ قَالَ: عَلِمَهَا. قَالَ: فَلِمَ دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَى مَا لَمْ يَدْعُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ (¬3) وَتَرَكَهُمْ مِنْهُ؟ فأَمْسَكَ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! هَذِهِ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَخبرني يَا أَحمد! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (¬4) الآية؛ فقلت أنت: إن (¬5) الدِّينُ لَا يَكُونُ تَامًّا إِلَّا بِمَقَالَتِكَ بِخَلْقِ القرآن، فالله عَزَّ وَجَلَّ أَصْدَقُ (¬6) فِي تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ أَمْ أَنت فِي نُقْصَانِكَ (¬7)؟ فأَمسك. فَقَالَ الشَّيْخُ (¬8): يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ ثَانِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ: أَخبرني يَا أَحْمَدُ! قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: {يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن ربِّكَ وَإِن لَّم تَفْعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالاَتِهِ} (¬9)، فَمَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا فِيمَا بَلَّغَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأُمَّةِ أَمْ لَا؟ فأمْسَكَ. فَقَالَ (¬10) الشَّيْخُ (¬11): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ ثَالِثَةٌ.
ثُمَّ قَالَ له (¬12) بَعْدَ سَاعَةٍ: أَخبرني يَا أَحمد! لمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَكَ هذه التي دعوت الناس إلى القول بها (¬13): اتَّسع له أَنْ (¬14) أَمسك عَنْهُمْ أَم لَا؟ قَالَ أَحْمَدُ: بَلِ اتَّسَع لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ الشَّيْخُ: وَكَذَلِكَ لأَبي بَكْرٍ؟ وَكَذَلِكَ لِعُمَرَ؟ وَكَذَلِكَ لِعُثْمَانَ؟ وَكَذَلِكَ لَعَلِّيٍّ ـ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَرَفَ وَجْهَهُ إِلَى الْوَاثِقِ وَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! إِذَا لَمْ (¬15) يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسع لِرَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم ولأَصحابه فلا وسَّع الله علينا. فقال الْوَاثِقُ: نَعَمْ! لَا وسَّع اللَّهُ عَلَيْنَا إِذَا لم
¬_________
(¬1) في (خ) و (م) "لا" بدل "تركهم".
(¬2) في (خ): "يعلمها".
(¬3) قوله: "إليه" ليس في (غ) و (ر) و (م).
(¬4) سورة المائدة: الآية (3).
(¬5) قوله: "إن" ليس في (خ).
(¬6) في (خ): "فالله تعالى عز وجل صدق".
(¬7) في (غ) و (ر): "نقصانه".
(¬8) قوله: "الشيخ" ليس في (غ) و (ر).
(¬9) سورة المائدة: الآية (67). وهكذا جاء في سائر النسخ: "رسالاته"، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر كما في "حجة القراءات" (ص232). وقرأ الباقون: "رسالته".
(¬10) في (غ): "وقال".
(¬11) قوله: "الشيخ" ليس في (غ) و (م) و (ر).
(¬12) قوله: "له" ليس في (خ) و (م).
(¬13) في (خ): "دعوت الناس إليها".
(¬14) في (خ): "عن أن".
(¬15) قوله: "لم" ليس في (غ) و (ر).
الصفحة 60