كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأَصحابه (¬1). ثُمَّ قَالَ الْوَاثِقُ: اقْطَعُوا قُيُودَهُ. فَلَمَّا فُكَّت جَاذَبَ عَلَيْهَا، فَقَالَ الْوَاثِقُ: دَعُوهُ! ثُمَّ قَالَ: يَا شَيْخُ! لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: لأَني عَقَدْتُ فِي نيَّتي أَنْ أُجاذب عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذْتُهَا أَوصيت أَن تُجعل بين بدني وكفني حتى (¬2) أقول: يا رب! سل عبدك: لم قيَّدني ظلماً وأراع (¬3) فيَّ أَهلي؟ فبكى الواثق، وبكى (¬4) الشيخ، وبكى (4) كل مَنْ حَضَرَ (¬5). ثُمَّ قَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ! اجْعَلْنِي فِي حلٍّ، فَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! مَا خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى جَعَلْتُكَ فِي حلٍّ إِعْظَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِقَرَابَتِكَ مِنْهُ. فتهلَّل وَجْهُ الْوَاثِقِ وسُرّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ (¬6): أَقم عندِي آنَسُ بِكَ (¬7)، فَقَالَ لَهُ: مَكَانِي فِي ذَلِكَ الثَّغر أَنفع، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَلِي حَاجَةٌ، قَالَ: سَلْ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: يأْذن أَمِيرُ المؤمنين في الرجوع (¬8) إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ (¬9). قَالَ: قَدْ أَذنت لَكَ، وأَمر لَهُ بِجَائِزَةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَرَجَعْتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ (¬10) تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَأَحْسَبُ أَيضاً أنَّ الْوَاثِقَ رَجَعَ عَنْهَا.
فتأَمَّلوا هَذِهِ الْحِكَايَةَ فَفِيهَا عِبْرَةٌ لأُولي الأَلباب، وَانْظُرُوا كَيْفَ مأْخذ (¬11) الْخُصُومِ فِي إِفْحَامِهِمْ (¬12) لِخُصُومِهِمْ، بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَدَارُ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ؛ إنما هو (¬13)
¬_________
(¬1) في (خ) زيادة "فلا وسع الله علينا".
(¬2) في (خ): "ثم" بدل "حتى".
(¬3) في (خ) و (م): "وارتاع".
(¬4) قوله: "بكى" ليس في (خ) في كلا الموضعين.
(¬5) في (ر) و (غ): "حضره".
(¬6) قوله: "له" ليس في (غ) و (ر).
(¬7) في (غ): "أبك".
(¬8) في (خ): "رجوعي".
(¬9) في (خ) فوق كلمة "الظالم": "هو ابن أبي دؤاد".
(¬10) في (خ) و (م): "على".
(¬11) في (م): "يأخذ".
(¬12) في (خ): "إحجامهم".
(¬13) في (خ): "حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ".

الصفحة 61