كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

ثَلَاثُونَ سُنَّةً، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِرَق وأَهواءُ، وشُح مُطاع، وهَوًى مُتَّبع، وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ برَأْيِهِ، فَلَمْ يَزَلِ الأَمر عَلَى ذَلِكَ، وَالْبَاطِلُ ظَاهِرٌ وَالْحَقُّ كَامِنٌ، وَالْعِلْمُ مَرْفُوعٌ ـ كَمَا أَخبر عليه الصلاة والسلام ـ والجهل ظاهر، لم يَبْقَ مِنَ الدِّينِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلا رَسْمُه، حَتَّى جاءَ اللَّهُ بالإِمام، فأَعاد الله بِهِ الدِّينَ ـ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ: "بَدَأَ الْإِسْلَامُ (¬1) غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" (¬2)، وَقَالَ: إِنَّ طَائِفَتَهُ هُمُ الغرباءُ، زَعْمًا مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ زَائِدٍ عَلَى الدَّعْوَى، وَقَالَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ: جاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نقيَّة، لَمْ يُرَ (¬3) مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وأَن بِهِ قَامَتِ (¬4) السَّمَوَاتُ والأَرض، وَبِهِ (¬5) تَقُومُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ (¬6)، وَلَا مِثْلَ، ولا ندّ (¬7)، وكذب! تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا كَمَا نزَّل أَحَادِيثَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ فِي الْفَاطِمِيِّ (¬8) عَلَى نفسه وأَنه هو
¬_________
(¬1) في (خ): "الدين" بدل "الإسلام".
(¬2) تقدم تخريجه (ص65).
(¬3) في (م): "تر".
(¬4) في (غ) و (ر): "قد قامت".
(¬5) في (خ): "به".
(¬6) قوله: "له" ليس في (غ).
(¬7) في (غ) و (ر): "ولا ندّ ولا مثل".
(¬8) يعني أحاديث المهدي، ومن أهمها: حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة رضي الله عنهم.
أما حديث ابن مسعود: فيرويه عاصم بن أبي النَّجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يُبعث فيه رجل مني ـ أو: من أهل بيتي ـ يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلماً وجوراً".
أخرجه أبو داود (4281) واللفظ له، والترمذي (2230 و2231)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وصححه ابن حبان (6824 و6825/ الإحسان).
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أحمد (3/ 17، 21 ـ 22، 26 ـ 27، 28، 36، 37، 52، 70)، وأبو يعلى (987، 1128)، وابن حبان (6823، 6826)، ثلاثتهم من طريق أبي الصديق النَّاجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي ـ أو عترتي ـ، فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً".
وسنده صحيح. وأخرجه الترمذي (2232) وحسنه.=

الصفحة 85