كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
نَاحِيَةِ الْبِشَارَةِ، وإِنما يَبْقَى الْكَلَامُ فِي التَّحْدِيدِ بالأَربعين، وإِذا لم يؤخذ (¬1) عَلَى اللُّزُومِ اسْتَقَامَ.
وَعَنْ أَبي يَزِيدَ البِسْطَامي رحمه الله؛ قَالَ: رأَيت رَبِّي فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ الطريق إِليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال (¬2).
وشاهد (¬3) هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الشَّرْعِ مَوْجُودٌ، فَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ صَحِيحٌ؛ لأَنه كَالتَّنْبِيهِ لِمَوْضِعِ (¬4) الدَّلِيلِ؛ لأَن تَرْكَ النَّفْسِ مَعْنَاهُ تَرْكُ هَوَاهَا بإِطلاق، وَالْوُقُوفُ عَلَى قَدَمِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *} (¬5)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. فَلَوْ رأَى فِي النَّوْمِ قائلاً يقول له (¬6): إِن فُلَانًا سَرَقَ فَاقْطَعْهُ، أَو عَالِمٌ فاسأَله، أَو اعْمَلْ بِمَا يَقُولُ لَكَ، أَو فُلَانٌ زنى فحُدَّه، أَوْ ما (¬7) أَشبه ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْعَمَلُ حَتَّى يَقُومَ لَهُ الشَّاهِدُ فِي الْيَقَظَةِ، وإِلا كَانَ عَامِلًا بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ؛ إِذ لَيْسَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْيٌ.
وَلَا يُقَالُ: إِن الرُّؤْيَا مِنْ أَجزاءِ النُّبُوَّةِ (¬8)، فَلَا ينبغي أَن تهمل، وأَيضاً فإِن (¬9) الْمُخْبِرَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَدْ قَالَ: "مَنْ رآني في النوم فقد رآني (¬10)، فإِن الشَّيْطَانَ لَا يتمثَّل بِي" (¬11). وإِذا كَانَ كذلك (¬12)؛ فإخباره له (¬13) في النوم كإِخباره في اليقظة.
¬_________
(¬1) في (خ) و (م): "يوجد".
(¬2) ذكر قول أبي يزيد هذا القشيري في "رسالته" (ص177).
(¬3) في (خ) و (م): "وشأن".
(¬4) في (غ) و (ر): "لوضع".
(¬5) سورة النازعات: الآيتان (40، 41).
(¬6) قوله: "له" ليس في (غ) و (خ).
(¬7) في (خ): "وما".
(¬8) أخرج البخاري في "صحيحه" (6994)، ومسلم (2264) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن عبادة بن الصامت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: "رؤيا المؤمن جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ".
(¬9) في (خ): "إن".
(¬10) في (خ) و (م): "رآني حقاً".
(¬11) أخرجه البخاري (110)، ومسلم (2266) من حديث أبي هريرة.
(¬12) قوله: "كذلك" ليس في (خ) و (م).
(¬13) قوله: "له" ليس في (خ).
الصفحة 94