كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
لأَنا نَقُولُ: إِن كَانَتِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجزاء النبوة، فليست بالنسبة (¬1) إِلينا من كمال الوحي، بل جزءاً مِنْ أَجزائه، والجزءُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الكُلّ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ إِنما يَقُومُ مَقَامَهُ من (¬2) بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ صُرِفَتْ إِلى جِهَةِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَفِيهَا كَافٌ (¬3).
وأَيضاً فإِن الرُّؤْيَا الَّتِي هي جزء من النبوة (¬4) من شرطها أَن تكون صالحة، ومن (¬5) الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَحُصُولُ الشُّرُوطِ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَقَدْ تَتَوَفَّرُ، وَقَدْ لَا تَتَوَفَّرُ.
وأَيضاً فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلى الْحُلْمِ، وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإِلى حديث النفس، وقد تكون بسبب هَيَجَان بعض الأَخْلاَط (¬6)، فمتى تتعيَّن الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غَيْرَ الصَّالِحَةِ؟.
وَيَلْزَمُ أَيضاً عَلَى ذَلِكَ أَن يَكُونَ تَجْدِيدَ وَحْيٍ بِحُكْمٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم، وهو منفي (¬7) بالإِجماع.
يُحْكَى أَن شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القاضي دخل يوماً (¬8) عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: علَيَّ بِالسَّيْفِ والنّطْع! قَالَ: ولِمَ يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رأَيت فِي مَنَامِي كأَنك تطأُ بِسَاطِي وأَنت مُعْرِضٌ عَنِّي، فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى مَنْ عَبَرَهَا. فَقَالَ لِي: يُظْهِرُ لَكَ طَاعَةً وَيُضْمِرُ مَعْصِيَةً. فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: وَاللَّهِ! مَا رُؤْيَاكَ بِرُؤْيَا إِبراهيم الخليل عليه السلام، ولا مُعَبِّرُكَ (¬9) بيوسف (¬10) الصديق عليه السلام، أَفبالأَحلام (¬11) الكاذبة تضرب أَعناق المؤمنين؟ فاسْتَحْيَى المهدي، وقال له (¬12): اخرج عني، ثم صرفه وأَبعده.
¬_________
(¬1) قوله: "بالنسبة" ليس في (خ) و (م).
(¬2) في (خ) و (م): "في".
(¬3) كذا في جميع النسخ. وعلق عليها رشيد رضا بقوله: "كذا! ولعل في الكلام حذفاً".
(¬4) في (خ): "جزء من أجزاء النبوة".
(¬5) في (خ): "من".
(¬6) في (خ): "أخلاط".
(¬7) في (م) و (خ): "منهي عنه" بدل "منفي".
(¬8) قوله: "يوماً" ليس في (خ).
(¬9) في (خ): "ولا أن معبرك".
(¬10) في (ر) و (غ) و (م): "يوسف".
(¬11) في (خ): "فبالأحلام".
(¬12) قوله: "له" ليس في (خ).
الصفحة 95