كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ الأَئمة أَنه أَفتى بِوُجُوبِ قَتْلِ رَجُلٍ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَرُوجِعَ فِيهِ، فَاسْتَدَلَّ بأَن رَجُلًا رأَى فِي مَنَامِهِ إِبليس قد اجتاز بباب هذه (¬1) المدينة ولم يدخلها؟ فقيل له (¬2): هَلاّ (¬3) دَخَلْتَهَا؟ فَقَالَ: أَغناني عَنْ دُخُولِهَا رَجُلٌ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ: لَوْ أَفتى إِبليس بِوُجُوبِ قَتْلِي فِي الْيَقَظَةِ هَلْ تقلِّدونه في فتواه؟ فقالوا: لا! قال (¬4): فقوله فِي الْمَنَامِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْيَقَظَةِ.
وأَما الرُّؤْيَا الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّائِي بِالْحُكْمِ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا أَيضاً؛ لأَنه إِذا أَخبر بحكم موافق لشريعته، فالعمل (¬5) بما استقرّ من شريعته (¬6)، وإِن أَخبر بمخالف، فمحال؛ لأَنه صلّى الله عليه وسلّم لَا يَنْسَخُ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرِيعَتَهُ الْمُسْتَقِرَّةَ فِي حَيَاتِهِ؛ لأَن الدِّينَ لَا يَتَوَقَّفُ اسْتِقْرَارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةِ؛ لأَن ذَلِكَ بَاطِلٌ بالإِجماع. فَمَنْ رأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِن رُؤْيَاهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ إِذ لَوْ رَآهُ حَقًّا لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدَ رَآنِي"، وَفِيهِ تأْويلان:
أَحدهما: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ (¬7) إِذ سُئِلَ عَنْ حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي قَضِيَّةٍ، فَلَمَّا نَامَ (¬8) الْحَاكِمُ ذَكَرَ أَنه رأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، وقال (¬9) له: لا تَحْكُمُ (¬10) بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فإِنَّها بَاطِلَةٌ (¬11). فأَجاب بأَنه لا
¬_________
(¬1) قوله: "هذه" ليس في (خ) و (م).
(¬2) قوله: "له" ليس في (خ) و (م).
(¬3) في (ر) و (غ): "فهلا"، وفي (خ): "هل" بدل "هلا".
(¬4) في (خ): "فقال".
(¬5) في (خ): "فالحكم" بدل "فالعمل".
(¬6) قوله: "من شريعته" ليس في (خ) و (م).
(¬7) في "فتاويه" (1/ 612).
(¬8) في (غ) و (ر): "قام".
(¬9) في (خ): "فقال".
(¬10) في (م): "تحكم"، وفي (خ): "ما تحكم".
(¬11) في (غ) و (ر): "باطل".
الصفحة 96