كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 2)

قَالَ أبو الحسن علي بنُ بطال (¬1): وعلى مثل هذِه الصفة تتلقى الملائكة الوحي من الله تعالى، وقد ذكر البخاري في كتاب التوحيد وغيره عن ابن مسعود: إِذَا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: ماذا قَالَ ربكم؟ قالوا: الحق (¬2).
وعن أبي هريرة قَالَ: "إِذَا قضى الله تعالى الأمرَ في السماءِ ضربت الملائكةُ بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة عَلَى صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قَالَ ربكم؟ قالوا: الحق. وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بكفه فحركها وبدد بين أصابعه- فيستمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثمَّ يقليها الآخر إلى من تحته حتَّى يلقيها عَلَى لسان الساحر والكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، وقال: أليس قَدْ كان كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمه التي سمعت من السماء" (¬3)، وقيل: معنى فزع: كشف. وهو دال عَلَى
¬__________
(¬1) هو العلامة أبو الحسن، على بن خلف بن بطال البكري، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف بابن اللّجّام قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة، شرح "الصحيح" في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضى بحصن لُوْرَقَة. اهـ. وقد كان من كبار المالكية. توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: "الصلة" 2/ 414، "الوافي بالوفيات" 12/ 56، "سير أعلام النبلاء" 18/ 47 - 48، "شذرات الذهب" 3/ 283.
(¬2) علقه البخاري عن ابن مسعود قبل الرواية (7481) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ}. ورواه في "خلق أفعال العباد" ص 139، ورواه مرفوعًا أبو داود (4738)، والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (1293).
(¬3) سيأتي في التفسير برقمي (4701، 4800).

الصفحة 226