الحجر والشجر عليه (¬1) بالنبوة، ثم أكمل الله لَهُ النبوة بإرسال الملك في اليقظة، وكشف لَهُ عن الحقيقة كرامةً لَهُ منه - صلى الله عليه وسلم -.
قَالَ القاضي وغيره: وإنما ابتدئ - صلى الله عليه وسلم - بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة فلا تحتملها قوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا مع سماع الصوت وغيره (¬2).
الثالث: الرؤيا: قَالَ أهل اللغة: يقال: رأى في منامه رؤيا، بلا تنوين عَلَى وزن فُعلى كحبلى، وجمعها: رؤًى بالتنوين على وزن رُعًى، قاله الجوهري وغيره (¬3).
¬__________
(¬1) من ذلك ما رواه مسلم (2277) كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، وأحمد 5/ 89 من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أُبْعث، إني لأعرفه الآن".
ومن ذلك ما رواه الترمذي (3626)، والدارمي 1/ 171 (21)، وأبو نعيم في "الدلائل" (289)، والحاكم 2/ 620، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 153 - 154 من طريق الوليد بن أبي ثور، عن السدي، عن عباد بن أبي يزيد، عن علي بن أبي طالب قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه غير واحد عن الوليد بن أبى ثور، وقالوا: عن عباد أبى يزيد، منهم فروة بن أبى المغراء. اهـ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "الصحيحة" (2670).
(¬2) "إكمال المعلم" 1/ 479.
(¬3) "الصحاح" 6/ 2347، مادة (رأى). والجوهري: هو أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي، مصنف كتاب "الصحاح" وأحد من يُضرب به المثل في ضبط اللغة، وفي الخط المنسوب، يُعد مع ابن مُقلة، وابن البواب ومهلهل والبريدي.
وللجوهري نظم حسن ومقدمة في النحو، قال جمال الدين القفطي: مات الجوهري مترديا من سطح داره في سنة 393 هـ. انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" 17/ 80 - 82، "تاريخ الإسلام" 4/ 91، "شذرات الذهب" 3/ 142.