وقال السهيلي: ويروى أيضًا "فسأتني" فهذِه ثلاث روايات، قَالَ: وأحسبه (يروى) (¬1) أيضًا: "فذعتني" وكلها بمعنى واحد وهو: الخنق، والغم، ومن الذعْت حديثه الآخر أن الشيطان عرض لَهُ وهو يصلي "فَذَعتّه حتَّى وجدت برد لسانه ثمَّ ذكرت قول (سليمان أخي) (¬2): رب هب لي ملكًا .. " الحديث (¬3)، قَالَ: وكان في ذَلِكَ إظهارًا للشدة والجد في الأمر، وأن ياخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة، فإنه أمر ليس بالهوينا.
قَالَ: وعلى رواية ابن إسحاق أن هذا الغط كان في النوم (¬4)، يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولًا ثمَّ يأتي الفرج والروح، وكذلك كان، لقي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه شدة من الجوع في الشِّعب حين تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم (ولا يصلوا إليهم) (¬5) وشدة أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل، وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليهم ثمَّ كانت العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين (¬6).
الحادي بعد العشرين: فيه المبالغة في التنبيه والحض عَلَى التعليم ثلاثًا، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إِذَا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتفهم عنه (¬7)، وانتزع بعض التابعين، وهو شريح القاضي من هذا الحديث ألا يضرب الصبي إلا ثلاثًا عَلَى القرآن، كما غطَّ جبريل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا.
¬__________
(¬1) في (ج): روي.
(¬2) في (ج): أخي سليمان.
(¬3) سيأتي برقم (1210) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من العمل في الصلاة، ورواه مسلم (541) كتاب: المساجد، باب: جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ... من حديث أبي هريرة.
(¬4) "سيرة ابن إسحاق" 101.
(¬5) ساقطة من (ج).
(¬6) "الروض الأنف" 1/ 271 - 272.
(¬7) حديث سيأتي برقم (95) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه.