كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 2)

إيناسًا وتلطفا، ثمَّ الجمهور عَلَى أن معناه: المدثر بثيابه. وحكى الماوردي عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها (¬1).
ومعنى: {قُمْ فَأَنْذِرْ (2)}: حذر العذاب من لم يؤمن، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التعقيب، وإنما أمر بالإنذار دون البشارة وهو - صلى الله عليه وسلم - قد أرسل بشيرًا ونذيرًا؛ لأن البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} [المدثر: 3]، أي: عَظّمه ونَزّهه عما لا يليق به.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4]، إما من النجاسة -عَلَى مذهب الفقهاء- وإما تقصيرها، وقيل المراد بالثياب: النفس أي: طهرها من كل نقص أي: اجتنب النقائص.
{وَالرُّجْزَ} بكسر الراء في قراءة الأكثرين، وقرأ حفص عن عاصم بضمها (¬2)، وهي: الأوثان في قول الأكثر، وفي مسلم التصريح به (¬3)، وفي التفسير عن أبي سلمة التصريح به (¬4)، وقيل: الشرك وقيل: الذنب وقيل: الظلم، وأصل الرجز في اللغة: العذاب، وسمي عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزًا؛ لأنه سبب العذاب.
السادس: قوله: (فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر، وحَمِي -بفتح الحاء وكسر الميم- معناه: كثر نزوله وازداد من قولهم: حميت النار والشمس أي: كثرت حرارتها، ومنه قولهم: حمي الوطيس. والوطيس: التنور، استعير للحرب، وإنما عبرت
¬__________
(¬1) "تفسير الماوردي" 6/ 135. وروى الطبري نحوه مسندًا 12/ 297 (3/ 353).
(¬2) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 338.
(¬3) مسلم 161/ 255. كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(¬4) سيأتي (4926). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب: قوله: والرجز فاهجر.

الصفحة 312