قَالَ أبو الزناد: وهذا الحديث من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه أفضل الصلاة والسلام؛ إِذ أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال إعظام كمحبة الولد للوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الوالد لولده، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع - صلى الله عليه وسلم - أصناف المحبة في محبته.
وقال ابن بطال: معنى الحديث: أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول آكد عليه من حق ولده ووالده والناس أجمعين؛ لأن به استُنْقِذْنا من النار وهُدِينا من الضلال، والمراد بالحديث: بذل النفس دونه.
وقال الكسائي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)} [الأنفال: 64] أي: حسبك الله ناصرًا وكافيًا، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك (¬1).
قَالَ القاضي عياض: ومن محبته - صلى الله عليه وسلم - نَصْرُ سنته، والذَّبُّ عن شريعته، وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه.
قَالَ: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا يصحُّ إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنزلته عَلَى كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد ما سواه فليس بمؤمن (¬2).
وقال القرطبي: لابد أن تكون محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - راجحة عَلَى كل أحد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قَدْ كمَّله الله على جميع جنسه وفضَّله على سائر نوعه، بما جَبَلَهُ عليه من المحاسن الظاهرة والباطنة (¬3).
¬__________
(¬1) "شرح ابن بطال" 1/ 65 - 66.
(¬2) "إكمال المعلم" 1/ 280 - 281.
(¬3) "المفهم" 1/ 225.