كتاب شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (اسم الجزء: 2)

فما معنى قوله: {وَلَا تُلقُواْ بِأيدِيكم إِلَى التهلُكَةِ} [البقرة: 195]؟
قلنا: لا خلافَ في أن للمسلم الواحد أن يهجُمَ على صفّ الكفارِ ويقاتلَ، وإن علم أنه يُقْتَلُ، وهذا ممَّا ظُنَّ أنه مخالف لموجِب الآية، وليس كذلك، فقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس التهلكةُ ذلك، بل بذلُ النفقةِ في غير طاعةِ اللهِ عز وجل (¬1).
فلت: قسم محمودٌ الخوارزميّ (¬2) [تلميذُ أبي الحسين البصري] (¬3) الأمرَ فيما إذا عَلم أنه يزول المنكر، ولكنْ يصلُ إليه الضررُ، فإن كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله من الضرر (¬4) به، مثل أن يتركَ شربَ الخمر ويقتلَه، فذكر أنه لا يجوز، ووجه هذا: أن فيه دفعَ المفسدة الدنيا باحتمال الكبرى.
وإطلاقُ القاضي أبي الوليد بن رشد يقتضي أيضاً هذا، فإنه شرطَ أن يأْمَنَ من أن يؤدّي إنكارُ المنكر إلى منكر آخرَ أعظم (¬5) منه، وهو أن ينهى عن شرب خمر فيؤول نهيُهُ عن ذلك إلى قتلِ نفسٍ
¬__________
(¬1) رواه ابن جرير في "تفسيره" (2/ 200 - 201) عن ابن عباس قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله.
(¬2) هو العلامة الزمخشري صاحب "الكشاف".
(¬3) زيادة من "ت".
(¬4) "ت": "المضرة".
(¬5) "ت": "أشهر".

الصفحة 208