كتاب أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي) (اسم الجزء: 2)

وإنما يكتنى يرتجز على الدّلو السقاة والرعاة؛ وفيه وجه آخر؛ قيل: إنهم يسامحون شريبهم ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم؛ ولا يصولون عليه ولا يكتنون؛ وهذا من الكرم والتفضّل لا من الضعف.
وقيل أيضا: بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة، إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه؛ لأنها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء والتعرف.
وقد قال قوم فى قوله: «يكتنون»: إنه من قوله كتنت يده تكتن إذا خشنت من العمل؛ فيقول: ليسوا أهل مهنة، فتكتن أيديهم وتخشن من العمل؛ بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.
وقوله: «صدء السرابيل» فإنما أراد به طول حملهم للسلاح ولبسهم له. والمقانب:
هى الأوعية التى يكون فيها الزاد؛ فكأنه يقول: إذا سافروا لم يشدّوا الأوعية على ما فيها وأطعموا أهل الرفقة؛ وهذه كناية عن الإطعام وبذل/ الزاد مليحة. وعجر البطون: من صفات المقانب؛ أراد أنها لا توكأ، ولا تطوى على فضل الزاد.
ولبعض شعراء بنى أسد، وأحسن غاية الإحسان:
رأت صرمة (¬1) لابنى عبيد تمنّعت … من الحقّ لم تؤزل بحقّ إفالها
فقالت: ألا تغذو فصالك هكذا … فقلت: أبت ضيفانها وعيالها
فما حلبت إلّا الثلاثة والثّنى … ولا قيّلت إلّا قريبا مقالها
حدابير من كلّ العيال كأنّها … أناضىّ شقر حلّ عنها جلالها
شكا هذا الشاعر امرأته، وحكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط فى حمالة (¬2)، ولم تعقر فى حق، ولم تحلب لضيف ولا جار؛ فهى سمان. وقوله: «لم تؤزل إفالها» والإفال:
¬__________
(¬1) الصرمة: القطعة من الإبل؛ ما بين العشرين إلى الثلاثين، أو إلى الخمسين.
(¬2) الحمالة: الإبل.

الصفحة 158