فإن قيل: فكأنكم تمنعون من حسن امتحان الله تعالى بالصبر على ترك الانتصار والمدافعة وتوجبونهما على كل حال!
قلنا: لا نمنع من ذلك؛ وإنما بيّنا أن الآية غير مقتضية لتحريم المدافعة والانتصاف؛ على ما ذهب إليه قوم؛ لأن قوله: لَأَقْتُلَنَّكَ يقتضي أن يكون البسط لهذا الغرض؛ والمدافعة لا تقتضى ذلك، ولا يحسن من المدافع أن يجرى بها إلى ضرر (¬1)؛ فلا دلالة فى الآية على تحريم المدافعة، ووجب أن يكون ما ذكرناه أولى بشهادة الظاهر.
تأويل خبر [«لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.]
إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: / «لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.
الجواب، قيل له: أما أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال: يعنى بتحلّة القسم قوله تعالى:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا؛ [مريم: 71]، فكأنه قال عليه السلام: لا يرد النار إلا بقدر ما يبرّر الله قسمه.
وأما ابن قتيبة فإنه قال فى تأويل أبى عبيد: هذا مذهب حسن من الاستخراج؛ إن كان هذا قسما.
قال: وفيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب ومعانيهم؛ وهو أن العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدّته شبهوه بتحلّة القسم؛ وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه: إن شاء الله، فيقولون: ما يقيم فلان عندنا إلا تحلّة القسم، وما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة، وهو كثير مشهور.
قال ابن أحمر (¬2) وذكر الريح:
¬__________
(¬1) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «إلى الضرر».
(¬2) ف: «مزاحم بن أحمر».