كتاب فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (اسم الجزء: 2)

إن جلوسهن عليه حلال؛ لأن هذا نوع من الاستعمال فهو كالثوب، ومن نظر إلى المعنى الذي من أجله أبيح للنساء الحرير قال: إنه لا يجوز، لأنه لا فرق، كيف نقول: هذا فراش للمرأة حرير وهذا فراش للرجل قطن، وكلاهما سواء ولهذا الاحتياط ألا تستعمل المرأة الحرير للجلوس.

مقار ما يباح من الحرير:
499 - وعن عمر رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ)) متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلم.
((النهي)) هو طلب الكف على سبيل الاستعلاء، فقولنا: ((طلب)) خرج به ما ليس بطلب كالأخبار، وقولنا: ((الكف)) خرج به الأمر؛ لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: ((على سبيل الاستعلاء)) خرج به الدعاء، والالتماس، والإرشاد، وما أشبه ذلك، ((على سبيل الاستعلاء)) بمعنى: أن الناهي يشعر بنفسه أنه أعلى من المنهي، فالأب مثلًا إذا قال لابنه: لا تفعل كذا وكذا، هذا استعلاء؛ لأنه يشعر أنه فوقك، لكن الابن لو قال لأبيه: يا أبت لا تضربني، هذا نهي؟ لا، هذا سؤال، لأن كلمة دعاء تسعر بأن هذا دعاء عبادة، ولكن لو قلنا: سؤال كفى.
يقول: ((نهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير)) هل كلمة ((نهى)) توازن قوله: ((لا تلبسوه))؟ نقول: هذا هو الأصل، لأنه إذا قال الصحابي العارف بلغة العرب: نهى، فإن عنده علمًا يقينًا بأن الرسول قال: ((لا تلبسوا)) أو كلمة نحوها، لا يقال: لعل الصحابي فهم أنه نهي وليس بنهي كما ادّعاه بعض الأصوليين وقال: إن قول الصحابي: ((نهى)) ليس صريحًا في النهي، وجوابنا على هذا أن نقول: إن الصحابي عالم باللسان العربي، ويعرف مدلوله، فإذا قال الصحابي: ((نهى)) فهو كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا تلبسوا)) ولا فرق.
قوله: ((عن لبس الحرير)) هذا عام سواء كان ثوبًا أو سروالًا، أو غترة، أو غير ذلك، ويعم النساء والرجال، لكن النساء سيأتي- إن شاء الله- ما يدل على التخصيص.
قال: ((إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع))، هل هذا على سبيل الشك، أو على سبيل التنويع؟ هذا على سبيل التنويع، وليس الشك، ولهذا كأنه يقول: إلا ما كان على أصبعين، وإما على ثلاث، وإمّا على أربع، والتنويع الذي نسميه أحيانًا للتخيير هذا وارد في اللغة العربية ووارد أيضًا في النصوص الشرعية، قال الله تعالى: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} [البقرة: 196]. فـ ((أو)) هذه للتنويع، إذن يجوز إلى أربع، وهل يجوزك إلى خمس؟ لا، ودون الأصبع جائز من باب أولى.
وقوله: ((إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع)) هنا يقتضي أن المعدود مؤنث، والأصبع كما سبق لنا مؤنثة، يقول أهل العلم- رحمهم الله-: إن هذا المراد به ما كان في موضع واحد مثل لو كان الجيب في الثوب موضع فيه أسلاك من الحرير، إذا وضعت أصابعك الأربع عليها، وإذا

الصفحة 477

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text