كتاب فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (اسم الجزء: 2)

والذي يوافقنا يدخله الرب الجنة، وإلا فإن الحقيقة لا يوجد شيء، يقولون: كل هذا القرآن والسنة المقصود به: التخويف والتقويم، وأنتم لا تدرون ما معناهما؟ فنحن أعلم منكم.
المهم: أن أهل التفويض قولهم باطل لا شك، وهذا الحديث مما يبطل قولهم.
ومن فوائد الحديث: تفسير المعقول، أو إن شئت فقل: تفسير الموعود بالموجود، يؤخذ من قوله: "كالجبلين العظيمين"؛ لأن الجبلين مشهودان، والقيراطان موعودان، فيفسر الموعود الذي لا يرى بالمشهود الذي يرى: {وتلك الأمثل نضربها للنَّاس وما يعقلها إلَّا العالمون} [العنكبوت: 43].
قوله: "وللبخاري أيضًا"، كلمة "أيضًا" هذه تكرر كثيرًا في كلام الناس، وهي مصدر آضى يئيض أيضًا كباع يبيع بيعًا، ومال يميل ميلًا، وما معناها؟ معنى "آضى" أي: رجع، فعلى هذا يكون "أيضًا" يعني: رجوعًا على ما سبق، لكنها محذوفة العامل وجوبًا، مثل: "سبحان" ما يذكر معها عاملها، هذه أيضًا لا يذكر معها عاملها، فهي إذن إعرابها منصوبة على أنها مفعول مطلق عاملة محذوف وجوبًا، ومعناه: رجوعًا يعني: على ما سبق.
قوله: "من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا"، وعلى هذا فلا يكون من تبع جنازة الكافر لا يكون له مثل الأجر، بل لابد من أن يكون المتبوع مسلمًا، وهذا الحديث مقيد للحديث السابق: "من تبع الجنازة حتى يصلى عليها" مقيد له على أننا قلنا: إن الأول فيه ما يدل على أن المراد بها جنازة المسلم من قوله: "حتى يصلى عليها"، والكافر لا يصلى عليه، إذن فهو عام أريد به الخصوص، وخص من قوله: "حتى يصلى عليه".
وقوله: "إيمانًا واحتسابًا" أي: إيمانًا بما عند الله- سبحانه وتعالى- من الأجر، أو إيمانًا بما جاء به الشرع من الحث على اتباع الجنائز؟ الثاني، "واحتسابًا" يعني: انتظارًا وحسبانًا للأجر على الله- سبحانه وتعالى-، فالاحتساب بمعنى: أنه يحتسب بهذا العمل الأجر عند الله، وهذا يدل على إيمانه بالجزاء، وأما "إيمانًا" فهو الإيمان بأن هذا من الأمور المشروعة التي حث عليها الشرع.
قال: "وكان معها حتى يصلى عليها"، هذا القول مشعر بأنه كان متبعًا لها من بيتها، "ويفرغ من دفنها"، وهنا نقول: إننا نأخذ بهذا؛ لن الحديث الذي سبق فيه لفظان: "حتى تدفن"، "حتى توضع في اللحد"، و"حتى يفرغ" يشمل الجميع.
وقوله: "فإنه يرجع بقيراطين" يرجع من المقبرة يعني: مصطلحبًا لقيراطين، الباء هنا للمصاحبة، وقوله: "كل قيراط مثل جبل أحد" يدل على عظم هذين القيراطين، ويبطل قول من يقول: إنهما جزآن من أربعة وعشرين جزءًا من أجر المصاب، فإن هذا لا وجه له بعد تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم.

الصفحة 583

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text