كتاب لطائف الإشارات = تفسير القشيري (اسم الجزء: 2)

شهد إحسانه فشكره.. كذلك من شهد النعمة شكر، ومن شهد المنعم حمده «1» وذكر حديث السجن- دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر.
وقيل لأن فيه تذكيرا بجرم الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن «السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» . وقيل لأنه كان فى البئر مرفوقا به والمبتدئ يرفق به وفى السجن فقد ذلك الرّفق لقوة حاله فالضعيف مرفوق به والقوىّ مشدّد عليه فى الحال، وفى معناه أنشدوا:
وأسررتنى حتى إذا ما سببتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عنّي حين لا لى حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح
وفى قوله: «وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ» إشارة إلى أنه كما سرّ برؤية أبويه سرّ بإخوته- وإن كانوا أهل الجفاء، لأنّ الأخوّة سبقت الجفوة «2» .
قوله: «مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزغات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال: «بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» .
يعنى إن وجد الشيطان سبيلا إليهم، فقد وجد أيضا إلىّ حيث قال: «بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» .
ثم نطق عن عين التوحيد فقال: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ» فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلونى.
قوله جل ذكره:

[سورة يوسف (12) : آية 101]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)
من حرف تبعيض لأن الملك- بالكمال- لله وحده.
ويقال الملك الذي أشار إليه قسمان: ملكه فى الظاهر من حيث الولاية، وملك على نفسه حتى لم يعمل ما همّ به من الزّلّة.
__________
(1) أي إن (الحمد) أعلى درجة من (الشكر) .. وهكذا تثرى البعوث الصوفية اللغة.
(2) ربما يرمى القشيري من بعيد إلى أن يشير إلى أن الحق- سبحانه- يتفضل بكرمه على عباده- حتى ولو كانت منهم جفوة- لأنهم عباده أولا.. وإلى هذا يشير فى موضع آخر من كتابه:
«عبدى.. إن لم تكن لى. فأنا لك»

الصفحة 209