كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

صِدْقاً وعَدْلًا [الأنعام: 115] في الأمر والنهى، وهي أعظم وأجل ما يرشد بها العباد، بل لا حصول للرشاد بغيرها، فمن ابتغى الهدى من غيرها أضله اللّه، ومن لم يسترشد بها فليس برشيد، فيحصل بها الرشد العلمي وهو بيان الحقائق والأصول والفروع والمصالح والمضار الدينية والدنيوية، ويحصل بها الرشد العملي، فأنها تزكي النفوس وتطهر القلوب وتدعو الى أصلح الأعمال وأحسن الأخلاق، وتحث على كل جميل وترغب عن كل ذميم رذيل، فمن استرشد بها فهو المهتدى، ومن لم يسترشد بها فهو ضال، ولم يجعل لأحد عليه حجة بعد بعثته للرسل وإنزاله الكتب المشتملة على الهدى المطلق، فكم هدى بفضله ضالا وأرشد حائرا، وخصوصا من تعلق به وطلب منه الهدى من صميم قلبه، وعلم أنه المنفرد بالهداية) 1 ه.
والعدل من أوصافه في فعله ... ومقاله والحكم في الميزان
فعلى الصراط المستقيم إلهنا ... قولا وفعلا ذاك في القرآن
الشرح:
ومن أسمائه سبحانه أنه (العدل) وهو في الأصل مصدر وصف به للمبالغة، وأصل العدل والمعادلة المساواة، يقال هذا عدل ذلك، وعديله أي نظيره، ومساويه.
و هو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلا، فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة كما قدمنا، وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من أنواع الهلاك والخزي في الدنيا وما أعده لهم من العذاب المهين في الآخرة، فانما فعل بهم ما يستحقونه، فانه لا يأخذ الا بذنب، ولا يعذب الا بعد اقامة الحجة.
و أقواله كلها عدل، فهو لا يأمرهم الا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهاهم الا عما مضرته خالصة أو راجحة. وكذلك حكمه بين عباده يوم فصل القضاء ووزنه لأعمالهم عدل لا جور فيه، كما قال تعالى: ونَضَعُ الْمَوازِينَ

الصفحة 106