كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
أصلا لا في وجوده، ولا في بقائه، ولا فيما اتصف به من كمال، ولا فيما يصدر عنه من أفعال، فإن غناه كما قدمنا ذاتي له فلا يطرأ عليه فقر أو حاجة.
و الثاني: أنه الكثير القيام بتدبير خلقه، فكل شي ء في هذا الوجود مفتقر إليه فقرا ذاتيا أصيلا لا يمكن أن يستغني عنه في لحظة من اللحظات، فهو مفتقر إليه في وجوده أولا وفي بقائه بعد الوجود، فهو الذي يمده بأسباب البقاء، فلا يقوم شي ء في الوجود كله إلا به، فهو دائم التدبير والرعاية لشئون خلقه، لا يمكن أن يغفل عنهم لحظة وإلا اختل نظام الكون وتحطمت أركانه، قال تعالى:
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [الأنبياء: 42] وقال: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر: 41].
فهذا الوصف من أوصافه سبحانه ذو شأن عظيم كشأن موصوفه، إذ هو متضمن بمعناه الأول لكمال غناه وعظمته، ومتضمن بمعناه الثاني لجميع صفات الكمال في الفعل، إذ لا تمام لها إلا بقيوميته.
و من أسمائه الحسنى كذلك (الحي) وقد ورد مقترنا باسمه القيوم في ثلاثة مواضع من القرآن:
1 - في آية الكرسي من سورة البقرة قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [255].
2 - في أول سورة عمران، قال تعالى: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [1، 2].
3 - في سورة طه، قال تعالى: وعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [111].
و معنى الحي الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أن قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة