كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

و السمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها، فالحي والقيوم متضمنان لصفات الكمال كلها وهما القطبان لأفق سمائها فلا تتخلف عنهما صفة منها أصلا ولهذا ورد أنهما اسم اللّه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب.
و إنما كان هذان الاسمان العظيمان متضمنين لسائر صفات الكمال لأن الحياة تعتبر شرطا للاتصاف بجميع الكمالات في الذات من العلم والقدرة، والإرادة والسمع والبصر والكلام إلخ، فإن غير الحي لا يتصف بهذه الصفات، فمن كملت حياته كان أكمل في كل صفة تكون الحياة شرطا لها وأما القيوم فلما كان أحد معانيه أنه الكثير القيام بشئون خلقه، بحيث لا يغفل عنهم لحظة، كان ذلك مستلزما لكمال أفعاله ودوامها.
هو قابض هو باسط هو خافض ... هو رافع بالعدل والإحسان
وهو المعز لأهل طاعته وذا ... عز حقيقي بلا بطلان
وهو المذل لمن يشاء بذله الدّا ... رين ذل شقاء وذل هوان
هو مانع معط فهذا فضله ... والمنع عين العدل للمنان
يعطي برحمته ويمنع من يشا ... ء بحكمة واللّه ذو سلطان
الشرح:
هذه الأسماء الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا يجوز أن يفرد أحدها عن قرينه، ولا أن يثنى على اللّه عز وجل بواحد منها إلا مقرونا بمقابله، فلا يجوز أن يفرد القابض عن الباسط، ولا الخافض عن الرافع، ولا المذل عن المعز، ولا المانع عن المعطي إلخ، لأن الكمال المطلق إنما يحصل بمجموع الوصفين، فهو سبحانه القابض الباسط، يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء، ويبسط الرزق لمن يشاء حتى لا تبقى فاقة، ويقبضه عمن يشاء حتى لا تبقى طاقة، ويقبض القلوب فيضيقها حتى تصير حرجا كأنما تصعد في السماء، ويبسطها بما يفيض عليها من معاني بره ولطفه وجماله، قال تعالى: فَمَنْ

الصفحة 113