كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [الأنعام: 125]. وهو سبحانه الخافض الرافع، يخفض الكفار بالإشقاء والإبعاد، ويرفع أولياءه بالتقرب والإسعاد، ويداول الأيام بين عباده، فيخفض أقواما، يخمل شأنهم، ويذهب عزهم، ويرفع آخرين فيورثهم ملكهم وديارهم.
و هو سبحانه المعز المذل، يعز أهل طاعته بالعز الحقيقي الذي لا يبطله شي ء، فإن المطيع للّه عزيز وإن تحالفت عليه كل أسباب الذل والشقاء. ويذل أهل معصيته ذل شقاء وحرمان، وذل خزي وخذلان، فإن العاصي للّه وإن ظهر بمظهر العز فحشو قلبه الذل وإن لم يشعر به لانغماسه فيما هو فيه من الشهوات.
فالعز كل العز في طاعة اللّه، والذل كل الذل في معصيته.
و هو سبحانه المانع المعطي، فلا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.
قال العلامة السعدي رحمه اللّه:
(و هذه الأمور كلها تبع لعدله وحكمته وحمده، فإن له الحكمة في خفض من يخفضه ويذله ويحرمه، ولا حجة لأحد على اللّه، كما له الفضل المحض على من رفعه وأعطاه وبسط له الخيرات، فعلى العبد أن يعترف بحكمة اللّه، كما عليه أن يعترف بفضله ويشكره بلسانه وجنانه وأركانه.
و كما أنه هو المنفرد بهذه الأمور وكلها جارية تحت أقداره، فإن اللّه جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابا، ولضد ذلك أسبابا، من قام بها ترتبت عليها مسبباتها، وكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.
و هذا يوجب للعبد القيام بتوحيد اللّه والاعتماد على ربه في حصول ما يحب ويجتهد في فعل الأسباب النافعة، فإنها محل حكمة اللّه) أ ه.

الصفحة 114